تحمل في طياتها توقيعا لاتفاق ينهي الحرب بين واشنطن وطهران، يبدو ان المنطقة تعيش حالة "ازدواجية استراتيجية"، حيث تسابق الدبلوماسية الزمن لتثبيت التهدئة، بينما يمعن العدوان الاسرائيلي في تمزيق اي افق للسلام على الجبهة اللبنانية.
إن "اتفاق اسلام اباد" المرتقب، الذي يروج له البيت الابيض كإنجاز سياسي وشيك، يواجه في طهران متاهة معقدة من التجاذبات الداخلية. فخلف التصريحات الرسمية تبرز معركة خفية بين تيار دبلوماسي يراهن على رفع العقوبات، وجناح امني متشدد لا يزال متمسكا بـ"الخطوط الحمراء" لبرنامجه النووي.
وفي قراءة جيوسياسية استراتيجية لما وراء هذه الهدنة، يمكن القول إن طهران استطاعت تحويل "حرب هرمز" من تهديد وجودي الى سلاح هام لتحقيق مكاسب استراتيجية كبرى:
اولا، نجاة البرنامج النووي، اذ نجحت ايران في تثبيت مكتسباتها التقنية، حيث يبدو ان الاتفاق يتجاوز المطالب الامريكية السابقة بالتفكيك، مما يمنحها اعترافا ضمنيا بكونها دولة عتبة نووية.
ثانيا، الردع بعيد المدى ، فقد تحولت الترسانة الصاروخية الايرانية من ورقة ضغط اقليمية الى سلاح ذي ابعاد دولية .
اما على مستوى الخارطة الدولية الرابح الأكبر، هي الدول التي قامت بالوساطة مثل باكستان وكذلك الصين، التي اثبتت تفوق ديبلوماسيتها في تأمين شريان الطاقة العالمي ومضيق هرمز، مؤكدة صعودها كقوة وسيطة بديلة تفرض قواعد نظام عالمي متعدد الاقطاب.
وتظل الولايات المتحدة في موقف حرج، فهي تضطر للقبول بتفاهمات اقل بكثير من سقف اهدافها المعلنة، مما يضعف "المظلة الامنية" التقليدية التي كانت توفرها لحلفائها.
وفي خضم ذلك يبدو مصير الشعب اللبناني ومستقبل الجنوب على المحك، حيث تحول التصعيد الاسرائيلي الى وسيلة لفرض أمر واقع على الارض في ظل انشغال القوى الكبرى بملفات الطاقة والنووي.
ولعل التساؤل الجوهري اليوم ليس في "توقيت التوقيع" على الاتفاق الإيراني الأمريكي فحسب، بل في جدوى هذا الاتفاق اذا كان سيولد في ظل واقع ميداني يشتعل في لبنان. فالمطالبة بفتح مضيق هرمز وتخفيف العقوبات ستظل وعودا هشة اذا لم تكن مرتبطة بـ"رزنامة أمنية" شاملة، تشمل لجم العدوان الاسرائيلي الذي يضرب عرض الحائط بالهدنة الهشة.
بين واشنطن وطهران، ووسط دخان الغارات على ضاحية بيروت والجنوب اللبناني، يترقب العالم هذا الاتفاق الذي يولد من رحم اعتى حربة عنيفة شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية.
الأزمة بالأرقام
حصيلة العدوان الإسرائيلي على لبنان، عدد الشهداء 3756 شهيداً.
عدد الجرحى 11632 جريحاً.
مؤشرات التصعيد الميداني في لبنان
القرى المستهدفة بالإنذارات: 29 بلدة وقرية في محافظتي النبطية والجنوب، طالبها جيش الاحتلال بالإخلاء الفوري والتوجه شمال نهر الزهراني.
لا يزال اتفاق وقف إطلاق النار "الهش" سارياً منذ 17 أفريل 2026، مع تمديد معلن حتى مطلع جويلية 2026، وسط خروقات يومية متزايدة.