Print this page

هل الاستثناء خروج عن القاعدة؟

يأتي كتاب "حالة الاستثناء: حين يتحول المؤقت إلى

دائم"، ليمثل أحدث إصدارات الأستاذ الصغير الزكراوي عن منشورات سوتيميديا بتونس لعام 2026، وهو من المؤلفات التي لا نملك إزاءها إلا الإقرار بأهميتها البالغة. ويستمد هذا المؤلف قيمته ليس من تطرقه لمسألة آنية وحارقة تشغل الراي العام وحسب، بل كذلك من تفكيكه لبنية حالة الاستثناء عبر أبعاد متقاطعة؛ فلسفية،وقانونية، وسياسية وتاريخية. حيث صهر الزكراوي هذه الأبعاد في سياقات نظرية وعملية ثرية ومميزة، تفتح في وجه القارئ مجالا واسعا للنقاش المخصب والنقد الرصين.

ومن الواضح أن الإجراءات الاستثنائية التي اتخذها رئيس الجمهورية في 25 جويلية 2021، وما تلاها من سجالات حول مشروعيتها، قد شكلت المرتكز الأساسي والخيط الناظم الذي حكم هاجس البحث لدى الزكراوي. فمن تلك المحطة المفصلية، يرصد مسار الانتقال من الوضع المؤقت إلى الوضع الدائم، وإن كان الباحث لم يتوقف بالقدر الكافي عند المفهوم المقابل للاستثناء، ونعني به مفهوم "القاعدة" يطرح الكتابضمنيا الأسئلة الفلسفية المعقدة: هل الاستثناء مجرد خروج طارئ عن القاعدة، أم هو اللحظة التأسيسية التي تولد منها القاعدة الجديدة، أم أن الاستثناء قد بات في النظم المعاصرة هو القاعدة عينها؟ وهي أسئلة تضعنا وجها لوجه أمام التدابير المتخذة في 25 جويلية، من خلال إثارة السؤال الجوهري: هل كان اللجوء إلى الفصل 80 خروجا صريحا عن الدستور، أم تفعيلا لما يمكن تسميته بالدستور الاحتياطي، أم أنه أضحى تأسيسا لاستثناء دائم؟ هذا ما حاول الزكرواي الإجابة عنه بأسلوب ميسر وشيق امتد على مدار 372 صفحة.

تأسيس الاستثناء بين القانون والنظرية السياسية
ينتظم الكتاب في سبعة فصول، خصص المؤلف اثنين منها للتأصيل النظري المفهومي، حيث قارب في أحدهما الجانب القانوني، بينما انفتح في ثانيهما على النظرية السياسية. أما الفصول الخمسة المتبقية، فقد انصبت على تشريح الحالة التونسية، مع إثرائها المستمر وتطعيمها بعناصر نظرية معمقة.
يدرج الزكراوي في الفصل الأول الاستثناء تحت لافتة القاعدة الفقهية الشهيرة "الضرورات تبيح المحظورات"، لنقف من خلال ذلك على تلك الازدواجية الأصلية والبنيوية التي تلازم حالة الاستثناء؛ فمن جهة أولى "الضرورة لا تعترف بقانون"(nécessité n’a point de loi) ، ومن جهة مقابلة "الضرورة تخلق قانونها الخاص".. (nécessité fait loi).وكل هذا البناء الفكري يجري ضمن المبدأ الذي صاغه الفيلسوف والخطيب الروماني شيشرونCicéron) ) في أثره "القوانين"، حين اعتبر أن "سلامة الشعب هي القانون الأسمى"؛ بمعنى أن المصلحة العليا للمجتمع هي وحدها التي تبرر تعطيل الإجراءات العادية في الحالات القصوى والحرجة. وبناء على هذه الأرضية الصلبة، انطلق الزكراوي في استعراض آراء قطاع واسع من فقهاء القانون المدافعين عن نظرية الضرورة، وفي ذات السياق النظري المقارن، عرج الكاتب على التجارب الدستورية العالمية وشروط اللجوء إلى التدابير الاستثنائية، متوقفا مليا عند تجربة دستور جمهورية فإيمار (Weimar) الألمانية عبر الفصل 48 من دستور 1919، ودستور الجمهورية الفرنسية الخامسة من خلال الفصل 16 من دستور 1958، ليخلص من هذا الجرد التاريخي إلى استنتاج قلق يفيد بأن إقرار حالة الضرورة ما يلبث، في غالب الأحيان، أن ينزاح عن مقاصده الحمائية ليتحول إلى وسيلة حكم عادية ومستقرة.

ثم ينتقل الزكراوي في الفصل الثاني إلى رحاب النظرية السياسية؛ ليستحضر الإسهامات الوازنة للمفكر الإيطالي جورجيو أغامبن(Giorgio Agamben) حول ظاهرة الاستثناء، وهو الذي يناقش بدوره أطروحات الفيلسوف والفقيه الدستوري الألماني كارل شميت (Carl Schmitt ) حول المفهومين المتلازمين: الاستثناء والسيادة.وقد استدعى المؤلف مقتربات شميت النظريّة من خلال كتابيه العمدتين "الدكتاتورية" (1921) و"اللاهوت السياسي" (1922)، وهما الأثران اللذان صيغا في خضم الجدل المحتدم حول الفصل 48 من دستور جمهورية فايمار(1919-1935) بشأن التدابير الاستثنائية لمواجهة الخطر الداهم. وهي التدابير التي التجأ إليها رئيس تلك الجمهورية المأزومة في محطات عديدة تيسيرا لعمل الحكومات المتعاقبة، في زمن عرف فيه البرلمان شللا وأزمة بنيوية دامت طويلا، مما آذن في نهاية المطاف بمنح الصلاحيات الواسعة لأدولف هتلر كرئيس للحكومة عام 1933، فما كان من هذا الأخير إلا أن ألغى، في خطوة أولى وصادمة، النظام البرلماني برمته ونصّب نفسه دكتاتورا مطلقا.

وبالعودة إلى متن "اللاهوت السياسي"، نجد أن شميت يستهل أطروحته بتلك الجملة الافتتاحية المثيرة للجدل: "السيد هو من يقرر بشأن حالة الاستثناء".
"Est souverain celui qui décide de la situation exceptionnelle".
وهي الجملة التي غلب على ترجمتها في الأدبيات العربية صياغة: "سيّدٌ مَن يقرر في حالة الاستثناء"، وهي ذاتها الترجمة التي اعتمدها الأستاذ الزكراوي، وإن كنت أفضّل شخصيا ترجمتها بعبارة: "سيّدٌ مَن يقرر بشأن حالة الاستثناء".ولما كانت هذه الجملة مثيرة للجدل، فإن الأمر يقتضي إبداء بعض التوضيحات الضرورية لإدراك مقاصدها . وأولى هذه الملاحظات تتمثل في أنَّ اللفظ (über) نُقل إلى الفرنسية باستعمال حرف الجر (de). ومن هناك، سُحبت هذه اللفظة إلى العربية لتؤدي معنى "في"، والحال أن اللفظ الألماني لو نُقل إلى لغة الضاد مباشرة لأعطى معنى "عن" أو "بشأن" أو "حول". وإن كان استخدام حرف الجر "في" على النحو الذي سار فيه الزكراوي لا يخرج تماما عن المقصد العام.

وثاني تلك التوضيحات، أنه من الخطأ تصور أن شميت كان محمولا بهاجس تحديد الاستثناء وضبطه ضبطا قانونيا، أما الملاحظة الثالثة، فتكمن في أن ما كان يشغل تفكير شميت بالأساس هو تحديد جوهر مفهوم السيادة؛ غير أن المفارقة هنا تتجلى في كونه يعتقد أن السيادة تتحدد في تلك "الحالة القصوى"، وهو ما نستشفه بوضوح من قوله المباشر إثر صياغته لتعريف الاستثناء: "هذا التحديد هو الوحيد الذي يمكن أن ينطبق على السيادة كمفهوم في أقصى حدوده".
"Seule cette définition peut satisfaire à la notion de souveraineté en tant que notion limite".
وبهذا المعنى، فإن ما يرمي إليه كارل شميت هو أن صاحب السيادة، وإن كان هو من يملك صلاحية تحديد "الحالة الاستثنائية"، فإن ذلك لا ينصرف إطلاقا إلى ما تدرجه الدساتير عادة تحت مسمى الحالة الاستثنائية، على غرار ما ورد مثلا في الفصل ثمانين من الدستور التونسي. وهذا التمييز أوضحه شميت صراحة حين كتب: "ينبغي أن نفهم من الحالة الاستثنائية مفهوما عاما في نظرية الدولة، وليس مجرد حالة طارئة معلنة أو حالة حصار".
"Par situation exceptionnelle, il faut entendre ici une notion générale de la théorie de l’Etat, et non quelque urgence proclamée ou quelque état de siège".
ومن هذا المنطلق، نجد كارل شميت يقيم تمييزا بين "حالة الضرورة" (état de nécessité (Notstand)) و" الحالة الاستثنائية" (état d'exception (Ausnahmezustand)). فحالة الضرورة تُمثل ذلك الوضع المادي والواقعي الملموس )الخطر الداهم(، في حين أن الحالة الاستثنائية هي الفعل القانوني والسيادي اعتمادا على حالة الضرورة تلك. ان صاحب السيادة الأصلية يقرر ما هو عادي وما هو استثنائي على حد السواء. والسيد في هذا المقام قد يتجسد في الإله ضمن المنظومة الثيوقراطية، أو الإمبراطور، أو الأمير، أو الشعب في الأنظمة الحديثة .

أما عن إضافة جيورجو أغامبن، فإن فكره ينهض على مفارقة مزدوجة؛ فالاستثناء عنده يبرز في جوهر الحالة العادية تحديدا لأنه لا ينتسب إليها،
" L’exception est incluse dans le cas normal précisément parce qu’elle n’en fait pas partie" .
مما يفضي بالنتيجة إلى تحويل "الاستثناء" إلى "قاعدة" مستمرة. وهنا تحديدا يحل اللغز؛ إذ تصبح السلطة السيدة هي تلك التي تملي القانون دون أن تخضع لأحكامه، وهو ما يمثل النموذج الأبرز لأنظمة الحكم الليبرالية المعاصرة التي باتت تشرع في ظل حالة طوارئ دائمة وغير معلنة.

إنَّ هذه التوضيحات المثقلة بنقاشات فلسفة القانون تطرح تعقيدات جمة قد تشوش ذهن القارئ، ولا يمكن الجري وراءها دون وضع اليد على الجرح؛ ذلك أن الارتكاز على مفهوم الاستثناء والسيادة من منظوري شميت وأغامبن لا يسمح بنقد اللجوء إلى الفصل80 بقدر ما قد يبرره ويسوغه. وفي تقديري، فإن الزكراوي قد وفق في معالجة هذه المسألة عندما تجنب التأويل الخاطئ الذي سقط فيه معظم رجال القانون حين اعتبروا أن الاستثناء -كما ورد عند شميت- هو مجرد استبعاد مؤقت للقاعدة القانونية؛ مؤطر بضوابط ومشروط بحدود. وقد أصاب الزكراوي بالفعل عندما اعتبر أن نظرية شميت وأغامبن هي فعليا الخروج "نوعا ما" عن القانون، لل"مكوث في تلك المنطقة الغير المحددة بين داخل وخارج القانون".
يبقى الاشكال انه إذا اقتصرنا تحليلنا على مقاربات شميت وأغامبن، فإنه سيصبح من العسير علينا نسف لجوء رئيس الجمهورية إلى الفصل 80 من الدستور، وتبعا لذلك، سيصعب تفسير وتفكيك مسار التأسيس الجديد الذي تولد عنه.

الفصل 80، الدكتاتورية الدستورية

مع الفصل الثالث يدخل الزكراوي في خضم السجال القانوني المحتدم حول الفصل 80 متسلحا بمقولة "السيد يقرر في حالة الاستثناء"، مما يشرع لصاحب السيادة أن يقرر ما إذا كان من الواجب تعليق الدستور جزئيا أو كليا، مع كل ما ينجر عن عملية التعليق هنا من دلالات تفيد الإلغاء أو الفسخ . غير أن الأمر إذا كان كذلك، فيمكننا أن نتساءل عندها عن جدوى وفائدة النقاش حول مشروعية 25 جويلية، وما إذا كان ما حدث يمثل انقلابا ذاتيا أم إجراءً شرعيا؟ إذ على خلاف الانقلاب العسكري التقليدي، فإن من يقدم على الانقلاب الذاتي هو ذلك الرئيس الذي يصل إلى سدة الحكم بطريقة ديمقراطية تامة، ثم يستأثر بعدها بكل الصلاحيات، ويعمد إلى تدجين المؤسسات والحد من الحريات، وينتهي بوضع دستور جديد على مقاسه.وفي هذا السياق تحديدا، يناقش الزكراوي مسألة الانقلاب الذاتي معتبرا أن ما أقدم عليه رئيس الجمهورية قيس سعيد، وإن عُدَّ انقلابا من الناحية الإجرائية، فهو "انقلاب محمود" بالنظر إلى ما آلت إليه الأوضاع العامة في البلاد من تردٍّ وتدهور خطير. وهو بهذا الموقف يسوغ اللجوء إلى الفصل 80 بوصفه استثناءً للاستثناء؛ فالفصل 80 يضع شروطا صارمة لتأطير الاستثناء، وزعها الزكراوي إلى شروط موضوعية متمثلة في وجود خطر داهم يهدد كيان البلاد أو أمنها أو استقلالها، وأخرى شكلية تهم استشارة رئيسي الحكومة ومجلس نواب الشعب وإعلام المحكمة الدستورية. ومع أن أساتذة القانون الدستوري قد خاضوا طويلا في تفاصيل مشروعية تلك الإجراءات الاستثنائية، فإن الزكراوي يعتقد أنهم جانبوا الصواب لكونهم أغفلوا مسألة على غاية من الأهمية، وهي أن الخطر الداهم والجاثم إنما كان ينبع من داخل مؤسسات الدولة نفسها التي أنهكتها الصراعات العقيمة. وبناءً على ذلك، فإن الزكراوي يتكلم هنا من خارج الشروط الحرفية للفصل ثمانين، مستبطنا أطروحة كارل شميت قلبا وقالبا، وهي الأطروحة التي تقدّم غاية الحفاظ على الدولة وتأمين بقائها من طرف صاحب القرار، حتى لو اقتضت الضرورة القصوى الخروج الصريح على النظام القانوني القائم.

من دكتاتورية إلى أخرى
يعرض الزكراوي مفهوم حالة الاستثناء عند شميت بوصفها "دكتاتورية تفويض" أو "دكتاتورية منتدبة"(dictature de commission).وهي الصياغة عينها التي سماها كلينتون روسيتر لاحقًا ب"الدكتاتورية الدستورية" عام 1948 في معرض نقاشه لسلطات الطوارئ في الدستور الأمريكي وضوابطها في المادة الأولى فقرة 9. واللفظ في أصله اللاتيني يحيل على معاني الأمر والإملاء، حيث كان الدكتاتور الروماني يمثل حاكمًا استثنائيًا توكل إليه سلطة القرار. وهو مفهوم لا يرادف الاستبداد بالمعنى اليوناني القديم؛ لكون الدكتاتورية الرومانية لم تكن حكمًا مطلقَا ولا مستمرًا، بل كانت تتجسد في قائد يمنحه مجلس الشيوخ في أوقات الحروب والأزمات العاصفة كامل الصلاحيات لتدبير شؤون المدينة -باستثناء التصرف في الموازنة المالية- وضمن سقف زمني محدد لا يتجاوز ستة أشهر. ولقد عرفت روما عشرات التعيينات من هذا القبيل، غير أن انزلاق بعضهم نحو إعلان أنفسهم دكتاتوريات دائمة، على غرار ما فعله سيلا ويوليوس قيصر(Scylla وCésar)ظل يمثل الخطر الوجودي والتهديد الدائم الذي يتربص بالدكتاتورية التفويضية ويهدد بتقويضها.وفي المقابل من ذلك، تبرز "الدكتاتورية السيادية" كحالة تأسيسية لا تستمد مشروعيتها من سلطة قائمة، بل تنهض لتؤسس نظامًا وسلطة جديدة بالكامل. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل سقط رئيس الجمهورية قيس سعيد في هذا المطب، ونعني به الانزلاق الخطير من الدكتاتورية التفويضية الحمائية إلى الدكتاتورية السيادية التأسيسية؟ الواقع أن الزكراوي لا يطرح السؤال بهذه الصيغة ، بل يتبنى هذا السقوط صراحة بتقريره أنه تبين بما لا يدع مجالًا للشك أن "التمشي الذي انتهجه رئيس الجمهورية يعتبر خروجًا عن مقاصد النص الدستوري، ويشكل انحرافًا بالسلطة يفضى إلى إرساء نظام حكم استبدادي".

بيد أن هذا الانتقال في موقف الزكراوي يحتاج إلى تبرير وفهم؛ فكيف مررنا من تسويغ وتبرير الخروج عن النظام القانوني باسم الضرورة إلى السقوط في نموذج الاستبداد؟ علمًا بأنّ الاستبداد ليس من المفاهيم المركزية لدى شميت ولا أغامبن، وكلاهما يحمل توجهًا راديكاليًا معاديًا لليبرالية والمعيارية القانونية التي لا تبالي بالقانون كقاعدة تعلو ولا يُعلى عليها. إنَّ الاستبداد مفهوم معياري بامتياز صاغه فلاسفة ومفكرون من طينة مونتسكيو وعبد الرحمن الكواكبي، وثلة من المفكرين الذين استشهد بهم الزكراوي. ولنكون منصفين في هذا المقام الفكري، فإن شميت نفسه يعترف بأن الدكتاتورية ليست نقيضًا للديمقراطية، بل هي في جوهرها إلغاء للفصل بين السلطات، دون أن يكون شميت معاديًا للدكتاتورية في حد ذاتها .

ومع الفصل الرابع وحتى خاتمة الكتاب ينتقل الزكراوي إلى تفكيك بنية منظومة 25 جويلية، في عمل متكامل ومدقق يلم بمختلف محطات الانفراد بالسلطة، معتبرًا الأمر الرئاسي عدد 117 بمثابة المنعطف الحاسم في هذا الاتجاه. وفي هذا السياق، يستعرض الزكراوي تلك المحطات تباعًا: بدءًابالاستشارة الإلكترونية، مرورا بالخطاب السياسي الموغل في الشعبوية والرافض لشرعية الأجسام الوسيطة، وصولًا إلى الأسلوب الانفرادي في صياغة دستور جديد أرسى نظامًا رئاسيويا يتماهى في بعض وجوهه مع أطروحة "ولاية الفقيه"، ووضعِ دعائم نظام قاعدي هلامي الملامح، ناهيك عن حوار وطني آل إلى الفشل، والسيطرة التامة على المؤسسات وقمع الحريات. كما يخصص الزكراوي حيّزًا هامًا لتشريح معمق لظاهرة الشعبوية، لينتهي بالتساؤل المقلق حول "فرادة التسلطية" في السياق التونسي الراهن.إننا إزاء تحليل وازن من منظور العلوم القانونية والسياسية، يستنتج منه الزكرواي أن مسار 25 من جويلية قد انتهى في آخر المطاف إلى إرساء نظام شعبوي استبدادي، حيث استُبدلت فيه سيادة القانون والمؤسسات بسيادة الشخص، وبات يتجه بثبات نحو الدكتاتورية المطلقة. ولم يكتف الزكراوي في مقاربتها بالهدم والنقد، بل حرص على تقديم حزمة من الدروس والعبر الاستشرافية؛ أهمها ضرورة تحصين حالة الاستثناء في صورة تكريسها في أي بناء دستوري مستقبلي، وذلك عبر تقاسم مبادرة تفعيلها بين أكثر من سلطة لضمان التوازن. بل إنه يذهب أبعد من ذلك باقتراحه الجريء المتمثل في استبعاد الفصل 80 أو ما يماثله تمامًا من النص الدستوري، مردفًا مقترحه هذا بملحقلغرض الاستئناس والاسترشاد تضمن فصولًا من دساتير مقارنة أعلنت تنظيمها لحالة الاستثناء.طبعًا، حاولنا في هذا التقديم التركيز على المسائل الأكثر إثارة للنقاش والسجال، لكن الكتاب يظل في متنه أوسع من أن يقع الإلمام بكل تفاصيله في مقال. وعلى أية حال، فإن هذا المصنف يمثل وثيقة مفيدة، وإضافة نوعية، تجعله جديرًا بالقراءة والتدبر.

المشاركة في هذا المقال