الأوسط اليوم أمام لحظة مفصلية لا تقل خطورة عن ذروة اندلاع الصراع في فيفري الماضي. ومع بلوغ اليوم الـ103 من الحرب المشتعلة، تبدو سياسات الاحتلال الإسرائيلي، بقيادة مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، منخرطة علانية في مشروع توسعي راديكالي يسعى لإعادة رسم خرائط المنطقة، وهو ما بات يعرف في أدبيات السياسة الإسرائيلية المتطرفة بـ"إسرائيل الكبرى".
ولا يمكن قراءة الغارات الإسرائيلية المستمرة على جنوب لبنان، أو العمليات العسكرية في غزة، كأحداث معزولة. فالمراقب لمسار الأحداث يلحظ استراتيجية إسرائيلية ممنهجة لـ "تطهير" المناطق الحدودية وتحويلها إلى مناطق عازلة تُفرغ من سكانها وتُسوى ببنيتها التحتية، وهو ما صرحت به بوضوح دوائر سياسية إسرائيلية بتبني "نموذج غزة" أي التدمير الشامل ليطبق في جنوب لبنان.
تعتمد سياسة نتنياهو على استغلال حالة "السيولة الأمنية" لفرض أمر واقع جغرافي جديد، حيث يسعى الاحتلال إلى قضم المزيد من الأراضي في سوريا ولبنان وفلسطين، مستخدما ذريعة "الأمن" لشرعنة توسع استيطاني وجغرافي يبتلع ما تبقى من مقومات الدولة الفلسطينية، ويستنزف سيادة دول الجوار، في محاولة لإعادة إنتاج حلم "إسرائيل الكبرى" الذي يتجاوز كل الحدود .
والسؤال الكبير الذي يتردد في أروقة العواصم الدولية هو: هل لا تزال الدبلوماسية قادرة على لجم هذا التوجه؟ يبدو أن الجهود الدبلوماسية، التي يقودها وسطاء إقليميون، تصطدم بجدار صلب من "الجنون التوسعي" الذي يتبناه نتنياهو، والذي يرى في إطالة أمد الحرب وسيلة لضمان بقائه السياسي وتجاوز أزماته القضائية والداخلية.
تبدو الضغوط الدبلوماسية الآن أقرب إلى "إدارة للأزمة" منها إلى "حل لها". وبينما تدعو التصريحات الرسمية إلى وقف إطلاق النار، تواصل الآلة العسكرية الإسرائيلية فعلها التدميري على الأرض، مما يشير إلى وجود فجوة كبيرة بين الخطاب الدبلوماسي الغربي والواقع الميداني الذي يصيغه اليمين الإسرائيلي المتطرف.
وسط هذا المشهد، تبرز الهدنة الإيرانية-الأمريكية كخيط رفيع يمنع المنطقة من الانزلاق إلى حرب شاملة. ولكن تجدد الاشتباكات المباشرة بين طهران وواشنطن، في أعقاب حادثة المروحية الأمريكية، وضع هذه الهدنة أمام اختبار حقيقي.
ومع ذلك، يرى محللون أن التصعيد الأخير رغم شراسته قد لا يعني بالضرورة انهيار المفاوضات. بل إن كلا من طهران وواشنطن تُمارسان "دبلوماسية القوة"، حيث تحاول إيران تثبيت معادلة ردع جديدة تخرجها من "استراتيجية الصبر" إلى المبادرة، بينما تسعى واشنطن لاحتواء التصعيد دون التخلي عن التزامها بأمن حليفها الصهيوني. هذه "الهدنة المتوترة" باتت جزءا من لعبة التفاوض نفسها، حيث أصبح تبادل الضربات وسيلة لتعزيز أوراق الضغط على طاولة المفاوضات.
يبدو ان المنطقة تعيش اليوم مخاضا عسيرا، حيث يتصارع مشروعان: مشروع إقليمي توسعي يغذيه طموح "إسرائيل الكبرى"، ومشروع دولي إقليمي يحاول الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار من خلال مفاوضات هشة.
إن استمرار نتنياهو في سياسة حافة الهاوية قد ينجح مؤقتا في تغيير ملامح الجغرافيا، لكنه في المقابل يرفع تكلفة الأمن الصهيوني إلى مستويات غير مسبوقة، ويحوّل المنطقة برمتها إلى مستودع بارود قد ينفجر في أي لحظة لينهي آمال التسوية التي تتشبث بها الأطراف الدولية. الرهان اليوم على مدى قدرة الأطراف الفاعلة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، على إدراك أن "الجنون التوسعي" الصهيوني لن يخلف سوى الدمار الذي لن يستثني أحدا.
الأزمة بالأرقام
تسببت الحرب في نزوح نحو 3.2 ملايين شخص داخل إيران وفق تقديرات الأمم المتحدة
ارتفعت التقديرات الرسمية المباشرة لكلفة الحرب إلى 29 مليار دولار بحلول ماي
لم تبق المواجهة محصورة بين إيران وإسرائيل وأمريكا، بل امتدت آثارها العسكرية والأمنية إلى 16 دولة وإقليما