garde des sceaux باعتباره كان في الماضي المسؤول عن ختم الملك، وعهدت إليه اليوم مهمة حماية هيبة الدولة من الناحية القانونية وضمان استمرارية مؤسساتها. وانطلاقا من هذا المعنى الرمزي يمكن اعتبار وزير الثقافة هو "حارس الهوية" بامتياز، لأنه المؤتمن على ذاكرة الأمة وتراثها وروحها الحضارية. فالثقافة ليست مجرد قطاع إداري يهتم بالمهرجانات والأنشطة الفنية، بل هي المجال الذي يحفظ شخصية الشعب ويصون تاريخه ومقومات وجوده الرمزي.
لقد أصبحت الهوية اليوم من أهم ساحات الصراع بين الأمم، إذ لم تعد المعارك تُخاض فقط بالسلاح أو الاقتصاد، وإنما كذلك عبر الثقافة والصورة والرواية التاريخية واللغة والرموز الحضارية. لذلك صار التراث المادي واللامادي عرضة لمحاولات السطو والتزييف، وأصبحت الدول مطالبة بالدفاع عن مكوناتها الحضارية أمام العالم. ومن هنا تتعاظم أهمية وزير الثقافة بوصفه حارسا للهوية الوطنية وخط الدفاع الأول عن الذاكرة الجماعية.
هذه المهمة الحساسة تفرض شروطا استثنائية يجب توفرها في من ينال حقيبة وزارة الثقافة. فالأمر لا يتعلق بمجرد مسؤول إداري أو سياسي عابر، وإنما بشخصية تمتلك ثقافة واسعة ومعرفة عميقة بتاريخ البلد ومكوناته الحضارية. ولا يمكن لمن يجهل تاريخ وتراث وطنه، أو لا يدرك قيمة رموزه الثقافية أن يكون قادرا على حمايتها أو الدفاع عنها. لذلك يجب أن يكون وزير الثقافة صاحب تكوين أكاديمي معتبر يسمح له بفهم القضايا الفكرية والتاريخية والفنية المرتبطة بالهوية الوطنية.
كما أن "حارس الهوية" يجب أن يتمتع بحس وطني عال وبغيرة حقيقية على بلده، لأن مهمته تتجاوز الإدارة اليومية لتصل إلى حماية الذاكرة الوطنية من التهميش أو التشويه أو السرقة. فقد شهد العالم في السنوات الأخيرة نزاعات ثقافية حول الأكلات الشعبية واللباس التقليدي والموسيقى والرموز التاريخية، وهو ما يبرز أهمية وجود مسؤول ثقافي يقظ وقادر على الدفاع عن تراث بلاده في المحافل الدولية.
إن التراث ليس مجرد ماض محفوظ في المتاحف، بل هو عنصر حي يساهم في تشكيل وعي المجتمع وشعوره بالانتماء. فاللغة والعادات والتقاليد والفنون الشعبية والعمارة والموسيقى والحكايات المتوارثة كلها عناصر تصنع شخصية الأمة. وحين يتم إهمال هذه المكونات أو تركها عرضة للاندثار أو السطو من قبل كيانات حديثة باحثة عن تشكيل هويات، فإن المجتمع يفقد تدريجيا جزءا من روحه وكيانه.
ومن هذا المنطلق فإن وزير الثقافة الحقيقي لا يكتفي بتنظيم المهرجانات أو الأنشطة المناسباتية، بل يعمل على بناء مشروع وطني متكامل لحماية الهوية وتعزيز الوعي الثقافي. فهو يدعم القراءة والفنون الجادة، ويحمي المواقع الأثرية، ويرعى المبدعين، ويعمل على ربط الثقافة بالتعليم والإعلام والسياحة والاقتصاد ويحرص على تسجيل ما أمكن من تراثه لحفظه من السطو. كما عليه أن يدرك أن الثقافة ليست ترفا، بل هي شرط أساسي من شروط بقاء الأمم واستمرارها.
كما ينبغي أن يمتلك وزير الثقافة القدرة على تحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الخصوصية الوطنية. فحماية الهوية لا تعني الانغلاق أو رفض الثقافات الأخرى، وإنما تعني التفاعل معها بثقة ومن موقع الوعي بالذات. لأن الهوية الحقيقية ليست جامدة، لكنها أيضا لا تقبل الذوبان أو فقدان ملامحها الأساسية تحت ضغط العولمة.
إن أخطر ما قد تتعرض له الشعوب هو فقدان الثقة في تاريخها وتراثها. فعندما تصبح الثقافة الوطنية محل سخرية أو احتقار، يبدأ الانهيار الرمزي للأمة. لذلك فإن من واجب "حارس الهوية" إعادة الاعتبار للثقافة الوطنية وترسيخ الشعور بالفخر بالانتماء الحضاري لدى الأجيال الجديدة.
ومن المهم أيضا أن يكون حارس الهوية مستقلا فكريا وقادرا على مقاومة محاولات توظيف الثقافة لخدمة المصالح السياسية أو الإيديولوجية الضيقة. فالثقافة ملك لجميع المواطنين، وليست أداة للدعاية أو الإقصاء. ومن واجبه أيضا أن يحافظ على التنوع الثقافي داخل إطار الوحدة الوطنية، وأن يضمن بقاء الثقافة فضاءا جامعا لكل مكونات المجتمع.
إن اختيار وزير الثقافة، وباختصار، يجب أن يتم وفق معايير دقيقة وصارمة، لأن الأمر يتعلق بموقع سيادي يمس صورة الدولة ومستقبلها الرمزي. فلا يكفي أن يكون المسؤول معروفا إعلاميا أو قريبا من السلطة، بل يجب أن يكون صاحب مشروع ثقافي واضح وسيرة فكرية ومعرفية تؤهله لتحمل هذه المسؤولية الثقيلة.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الثقافة أصبحت جزءا من القوة الاستراتيجية للدول، وأن الأمم التي تحافظ على تراثها وتستثمر في فنونها وإبداعها تستطيع أن تعزز مكانتها الدولية وتحمي صورتها الحضارية. لذلك فإن إهمال الثقافة يعني التفريط في أحد أهم عناصر القوة الناعمة في العصر الحديث.
إن وزير الثقافة، بوصفه "حارس الهوية"، يتحمل مسؤولية تاريخية تتمثل في حماية ذاكرة الأمة والدفاع عن روايتها الحضارية ونقل هذا الإرث إلى الأجيال القادمة. وبالتالي فالثقافة ليست وزارة ثانوية مثلما يذهب إلى أذهان البعض، بل هي قلب الدولة الرمزي وروحها العميقة. ووزير الثقافة يجب أن يكون بالفعل حارسا أمينا على هوية الوطن وتاريخه وذاكرته الجماعية وأن لا يتهاون في الدفاع عنها أمام محاولات السطو التي تطالها.