واحدة من أدق مراحلها الجيوسياسية مع دخول الهدنة المؤقتة بين إيران والتحالف الأمريكي-الصهيوني أسبوعها السادس،وهي الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ في الثامن من
أفريل الماضي لتضع حدا مؤقتا لـ83 يوما من حرب طاحنة غير مسبوقة. غير أن المشهد الراهن، القائم على حافة "مفترق طرق" حاسم كما وصفه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يثبت أن هذه الهدنة ليست أكثر من استراحة محارب مؤقتة، حيث تحل الحرب الكلامية والدبلوماسية الخشنة محل النزاع المفتوح، وسط سباق محموم بين إرادات التفاوض ونوايا التصعيد.
تتبلور في الكواليس جهود دبلوماسية مكثفة تقودها باكستان وقطر لصياغة "صيغة سلام معدلة" تحاول نزع فتيل الانفجار الشامل. وتأتي التحركات المتسارعة لوزير الداخلية الباكستاني في طهران، والزيارة المرتقبة لقائد الجيش الباكستاني عاصم منير، لتؤكد أن إسلام آباد تحاول صياغة "خطاب نوايا" يمهد لعملية تفاوض رسمية مدتها ثلاثون يوما.
إلا أن دون هذه المقاربة الدبلوماسية عقبات هيكلية مستعصية، لعل أبرزها
عقدة اليورانيوم المخصب والتي تمثل حجر العثرة الرئيسي. فبينما تطالب واشنطن بتنازلات كاملة وضمانات بنسبة 100 بالمئة، تتمسك طهران بسيادتها على مخزوناتها، مدعومة بموقف روسي صريح يرى أن إيران وحدها هي صاحبة القرار في هذا الملف.
وفيما يتعلق بفك الحصار الملاحي والأصول المجمدة، فإن إيران تصر على أن أي اتفاق دائم يجب أن يمر عبر رفع الحصار البحري عن موانئها والإفراج عن أموالها المحتجزة، وهي شروط تقابلها واشنطن بمطالب تصفها طهران بـ "المفرطة".
وفي إطار تعزيز أوراقها التفاوضية، لم تكتف إيران بالإغلاق الفعلي لمضيق هرمز وفرض نظام رسوم عبور صارم، بل اعلنت بسط ولايتها التنظيمية لتشمل المياه الواقعة جنوب ميناء الفجيرة الإماراتي. هذه الخطوة تحمل أبعادا جيوسياسية واقتصادية معقدة . اذ تسعى طهران من خلال هذا التمدد إلى محاصرة المحاولات الإقليمية لتجاوز المضيق عبر تسريع بناء خطوط أنابيب النفط شرق-غرب نحو الفجيرة.
علاوة على ذلك ، يدرك صانع القرار في طهران أن خنق الممر الذي يعبر منه خمس النفط العالمي وثلث شحنات الأسمدة يمثل ورقة ضغط مرعبة على الاقتصاد الدولي، وهو ما حذرت منه منظمة "الفاو" من إمكانية حدوث صدمة هيكلية في أسعار الغذاء العالمية. هذا الضغط الاقتصادي يرتد مباشرة إلى الداخل الأمريكي، حيث يواجه ترامب تراجعا في شعبيته بسبب ارتفاع أسعار الوقود مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل.
في المقابل، يعكس الارتباك السياسي في تل أبيب عمق الفجوة بين الأجندة الأمريكية البراغماتية، المحكومة بحسابات صناديق الاقتراع وأسعار الطاقة، وبين الأجندة الصهيونية. التقارير التي تتحدث عن "قلق" بنيامين نتنياهو من احتمال توقيع ترامب على "خطاب النوايا" مع إيران تكشف خوف الاحتلال من أي صيغة تمنح طهران اعترافا بنفوذها الإقليمي أو تبقي على بنيتها النووية والصاروخية والتي تشكل تهديدا للمشروع الصهيوني في المنطقة القائم على مبدأ " التوسع والاحتلال والتمدد ".
وتأتي تصريحات المسؤولين العسكريين الصهاينة حول حتمية مواجهة "جولات قتالية سنوية متكررة" ضد إيران لتؤكد أن العقيدة الأمنية للاحتلال لا ترى في الهدنة الحالية سوى فرصة لإعادة ضبط التوقعات وتجهيز الجبهة الداخلية لحرب طويلة الأمد، خصوصا مع استمرار اشتعال جبهة جنوب لبنان. حيث يواصل حزب الله عملياته النوعية بالمسيّرات والصواريخ ضد تجمعات جيش الاحتلال الصهيوني، مؤكدا ترابط الساحات واستحالة فصل الملف اللبناني عن المسار الإيراني.
وفي خضم هذا الوضع ، يبدو أن مآلات هذه الهدنة تتأرجح بين سيناريوهين لا ثالث لهما. السيناريو الأول، تسوية مؤقتة مشروطة من خلال نجاح الوساطة الباكستانية-القطرية في انتزاع موافقة مبدئية على "خطاب النوايا"، مما يفتح بابا لتفاوض شاق لمد ثلاثين يوما. هذا السيناريو سيعطي ترامب متنفسا اقتصاديا مؤقتا، لكنه سيبقي المنطقة في حالة "ستاتيكو" قلق وقابل للانفجار في أية لحظة عند أول صدام حول التفاصيل النووية أو الملاحية.
أما السيناريو الثاني فيتعلق بالانهيار العاصف واستئناف الضربات خاصة إذا ما أصرت واشنطن على شروطها التعجيزية ورفضت تل أبيب تقديم أي تنازل، فإن الهدنة ستنهار سريعا تحت وطأة استعداد الطرفين. وإذا ما تجددت الضربات، فإنها لن تقتصر على المواقع العسكرية، بل ستتحول إلى حرب استنزاف شاملة تضرب عصب الطاقة العالمي وتغير وجه التوازنات الإقليمية.
تبدو هدنة ماي 2026 وكأنها مرحلة اختبار الإرادات، حيث تبدو الدبلوماسية عاجزة عن تقديم حلول جذرية، بينما يبدو خيار الحرب الشاملة مكلفا للجميع وسيؤدي حتما الى شرق أوسط جديدة تتشكل ملامحه على وقع هذه الحرب.
الأزمة بالأرقام
95 بالمئة نسبة تراجع الملاحة في مضيق هرمز
2.5 بالمئة تباطؤ النمو العالمي بحسب تقرير "الأونكتاد" الأخير
قفزت أسعار خام برنت لتتجاوز عتبة الـ 120 دولاراً للبرميل عقب بدء الإغلاق وتراجع الإمدادات
قفزت تكاليف شحن ومصالح ناقلات النفط (Clean Tanker Rates) إلى 215 بالمئة (مقارنة بمرجع ما قبل اندلاع الحرب في فيفري
تضاعفت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب بمقدار 4 إلى 5 أضعاف.