Print this page

في رفوف مكتبتي (4) «شيزوفرينيا» لـ هادي التيمومي عالم الخافوت، أو معراج الإنسان في عالم الجنون والجان

عندما فازت رواية «قيامة الحشاشين» للهادي التيمومي

الصادرة عن دار «ميسكيلياني» سنة 2020 بجائزة «كومار» الذهبي لأفضل رواية تونسية سنة 2021 وبجائزة معرض الشارقة الدولي للكتاب للرواية العربية في السنة ذاتها تساءل العديد من المهتمين بعالم الكتاب في تونس: ما دخل المؤرخ المعروف الهادي التيمومي في الرواية والأدب؟ وهذا السؤال مازال لم يجد جوابا عند بعضهم إلى اليوم... والجواب بسيط إلى درجة كبيرة: إنه تشابه الأسماء فقط لا غير، فالمؤرخ والروائي شخصان مختلفان في السن والاهتمام والمسيرة والأسلوب.. ولكن المؤرخ صاحب المؤلفات العديدة حول تاريخ تونس المعاصر والذي دأب في السنوات الأخيرة على كتابة «موسوعة الربيع العربي في تونس 2020-2010» في ستة أجزاء كان إلى حدّ السنوات الأخيرة هو الأكثر شهرة فنُسبت إليه روايات الهادي الآخر وهو ما سبب بعض الحرج ولا شك للهاديين.. ولكن تلك حكمة الأقدار فالاشتراك في الإسم واللقب خارج عن الارادة الشخصية للرجلين.

دخول الروائي الهادي التيمومي لعالم النشر كان متأخرا عن المؤرخ بأكثر من ثلاثة عقود، فروايته الأولى «ملح قرطاج» صدرت عن دار «الجنوب» 2013 أما أول كتاب للمؤرخ «النشاط الصهيوني بتونس (1948-1897) فقد صدر عن دار «محمد علي الحامي» في طبعته الأولى سنة 1981.

ما قد لا يتفطن له يعضهم أن الروائي الهادي التيمومي قد غيّر شكل اسمه منذ سنة 2022 مع روايته «قبعات متكبرة» الصادرة عن دار «ميسكيلياني» إذ أضحى الهادي هادي فقط دون ألف ولام التعريف وهو تنازل اللاحق للسابق تنازل له سابقة تاريخية جميلة وعظيمة رغم كونها لم تكن ارادية كشأن الروائي التونسي إذ حذفت الأوساط العلمية ألف ولام التعريف عن إسم ابن العربي الشيخ الأكبر عند المتصوفة وأضحى في كل المؤلفات والدراسات يكتب «محيي الدين ابن عربي» تمييزا له عن الفقيه المالكي الذي سبقه بزهاء القرن «أبو بكر ابن العربي».

حدسنا يقول أن هذا كان حاضرا عند الروائي عندما حذف حرفي التعريف من إسمه. فعالم الروائي هادي التيمومي عالم روحاني باطني.. عالم برزخي بين الناسوت واللاهوت، بين المعاصر والقديم، بين برودة العقل والكشف القلبي، وما فتئ هذا العالم البرزخي يمتد ويتنوع من رواية إلى أخرى ولاسيما في رواياته الأربعة: الأخيرة: «قيامة الحشاشين» و«قبعات متكبرة» و«رماد مقدس» وكتابه الذي يعنينا هنا «شيزوفرينيا» الصادر عن دار «ميسكيلياني» في جوان 2025.

تدور أحداث الرواية في زمننا الحاضر في تونس وتحديدا في خربة «الحجارية» قرب جبل بو ڤرنين وهي تروي قصة عائلة من «الأكابر»، عائلة برناز، وهي «البلدية» أطردت من منزلها الفاخر واضطرت إلى الانتقال إلى هذه «الخربة» المفعمة بأساطير الجان والأولياء الصالحين والمقدس المخفي، وقد اصطحبت عائلة «الأكابر» هذه عائلة كانت على مرّ أجيال في خدمتها، عائلة «دعلوش»، قاسم هو ربّ عائلة «الأكابر» كان مهووسا بقرطاج وتاريخها وحروبها الثلاث مع «روما» أهل القتل والغدر. أما الشاب زكرياء دعلوش فقد تحصل لتوه على ديبلوم في الهندسة ويمثل - إلى حدّ ما - فخر العائلتين معا...

تحول العائلتين إلى «خربة الحجارية» في ذلك الفضاء المفعم بالجن والعفاريت والأساطير وتحولت معه حياة الرجلين أيضا فصار قاسم يعرج جسدا وروحا، كما يزعم، إلى قرطاج القديمة ويشهد ميلاد ديانة جديدة حربية مع الإلاه «بعل حاريس»، أما زكرياء فيجد نفسه رغم أنفه، محشورا في قصة المخطوط الأصلي لكتاب «شمس المعارف الكبرى» لصاحبه الصوفي أحمد بن علي البوني المتوفى في القرن السابع للهجرة وهو كتاب طلاسم وسحر والذي كتبه - فيما يقال - تحت إملاء الشيطان شخصيا.

ومن يتمكن من فك ألغاز طلاسم هذا المخطوط يصبح بإمكانه ولوج عالم الخافوت.. عالم الاختفاء.. عالم الأجسام النورانية كالجن، عالم يشبه إلى حدّ ما عالم الخلد، فالحياة فيه لا تُعد بعشرات السنين بل بمئاتها وآلافها.. عالم برزخي بين الناسوت واللاهوت.. عالم الجن، عالم الشيطان الكاتب الفعلي لـ«شمس المعارف الكبرى»..

في الأثناء تواصل الحياة الأرضية نسقها العادي.. عالم الدسائس والغدر والانتقام.. عالم الحبّ والخيانة والانكسار.. عالم تتكالب فيه شركات محلية وايطالية على الربح بمختلف الطرق.. فأعداء قرطاج التاريخيين يريدون التنقيب في الأرض التي أحرقوها وحشوها بالملح حتى تصبح عاقرا..

ومع مرور الأيام يتكثف معراج قاسم إلى قرطاج البونية ويسكن «شمس المعارف الكبرى» عقل وروح زكرياء وتختلط التواريخ والأحقاب.. فالأساطير لم تعد مجرد أساطير.. بل طريقة عيش وأسلوب حياة.. الواقع أصبح متموجا.. المادة فقدت صلابتها والطاقة الروحية تشكلت وتصلبت فلم يعد بالامكان الفصل الكلي والتام بين العالمين.. عالم قرطاجة ينفذ إلى واقعنا اليوم والجان يتجولون بين الناس وهم نيام.. والصراع على عالم الخافوت يحتّد ويشتد.. وأسرار الكون تنحشر في أعماق النفس وتتسرب إلى عالم الخيال وتتمكن من الأحلام والأوهام فيصبح الوهم واقعا ضاغطا والواقع يتلاشى أمام مطرقة الأساطير..

أين الحقيقة وعالم الخافوت يكاد يكون حاضرا في عالم الشهادة؟ وأين الواقع وأصوات الماضي تتحكم في أذهان وسلوكيات البشر؟

قد يوحي عنوان الرواية «شيزوفرينيا» أننا أمام حالات من الاختلالات النفسية ومن انفصام الشخصية.. صحيح نحن ازاء الانفصام ولكن ليس فقط داخل شخصية واحدة بل انفصام عام وشامل.. انفصام في معنى الحياة ذاتها..

فهل يوجد معنى للحياة دون أساطير.. دون سحر.. دون أصوات الماضي.. دون أشباح الجان.. دون الشيطان نفسه؟ المعنى يحيل مباشرة على العالم البرزخي.. عالم ما بين بين.. عالم يكون فيه المجنون أكمل عقلا من مطببيه.. أرهف وعيا وأعمق حدسا..

سحر الرواية يحيلنا إلى عوالم لا متناهية، لا مستقر فيها ولا مقام وهي كل يوم في حال بين ديانة «بعل حاريس» و«شمس المعارف الكبرى» عندما يلتقيان في جبل بو ڤرنين.. «ڤرن» لكل عالم وما بينهما تنهمر السيول..

يقال دوما أن الروائي لا يكتب إلا ذاته حتى لو تعددت شخوص وأحداث روايته.. ولو لا ذلك لكان السرد فاقدا للابداع وللعمق.. فالعمق يقبع دوما بين جراحات الذات وعوالمها الداخلية المعقدة..

نحن نجد في «شمس المعارف الكبرى» صدى للرواية الأولى للتيمومي عندما كان الهادي «ملح قرطاج» إذ يبوح الكاتب أن أصل هذه الرواية هي جذاذات كتبها وهو في سن الشباب (25 سنة) في غياهب سجون بلاده بتهمة انتماء أو فكر أو ما يشتبه أنه كذلك..

في السجن حلّ العالم العلوي ينادي: مصيرك أن تكون روائيا..خلاصك أن تكن روائيا..وكان الشغل الشاغل لهذا الشاب الذي أصابه شيطان الأدب (لا يعقل أن يختص الشيطان بالشعر فقط) هو كيف يخفي مخطوطته عن أعين سجانيه؟ كيف يحمي قصته من أيادي مراقبيه؟ فابتكر لذلك ما يشبه الطلاسم السحرية ..تحويل الحروف إلى رموز، وقصة التيمومي مع الحروف والحروفية تعود في «شيزوفرينيا»، وكتب العربية من اليسار إلى اليمين ومن أسفل إلى فوق برموز وجد نفسه صعوبة لتفكيك شفرتها عند خروجه من السجن واختفائه عن الأنظار لأنه رفض الإمضاء اليومي في مركز الحرس ..

لقد عاش هادي تيمومي خافوته وحمل «شمسه» معه وحدب عليها لأنه لا معنى لحياته دونها.. ومع الثورة خرجت «شمسه» من الخافوت إلى عالم النشر.. ولكن النشر خافوت آخر إذ يخفي عنا الروائي في ثنايا سرده جراحه وآلامه وأحلامه أيضا..

فعلا لا إبداع خارج البرزخ..ولا برزخ خارج الخافوت

 

المشاركة في هذا المقال