المدّة الأخيرة إلى الأذهان مسألة مدى تفشّي ظاهرة العنف لدى المراهقين في السنوات الأخيرة وأعادت إلى السطح نقاشا مجتمعيّا محمودا حول الأسباب العميقة لهذه الظاهرة والتي وللأسف تترافق مع مظاهر أخرى لا تقل خطورة مثل الإدمان على المخدّرات والنشل و محاولات الهجرة السريّة .
لا أدري إن وقعت دراسات اجتماعيّة كميّة ونظريّة لمحاول تفسير أسباب تنامي هذه المظاهر في بلادنا ولكن الملاحظة البديهيّة الأولى تقرّ بأنّ كلّ هذه المظاهر تترافق خاصّة مع ظاهرة انقطاع مدرسي مبكّر لعدد كبير من أبناء المدارس الإعداديّة قدّرت أعدادهم بعشرات الآلاف كل سنة وهؤلاء على الأرجح هم الأكثر عرضة للوقوع فريسة سهلة لمخاطر الانحراف بأشكاله المختلفة فالتلميذ الذي يغادر مقاعد الدراسة بدون حدّ أدنى من المستوى العلمي والحرفي يكون غير محصّن ضدّ مغريات الشارع الكثيرة وهذا يحيلنا مباشرة إلى مسألة الإصلاح التربوي الشامل والمقاربات العمليّة الممكنة لما أسميّه وقف نزيف فكّ الارتباط المبكّر مع التعليم الأساسي .
قلت في عدة مناسبات كثيرة أنّ الإصلاح يجب أن يشمل أوّلا وأساسا التعليم الأساسي بمرحلتيه الابتدائيّة والإعدادية أوّلا لأنّه يتعامل مع طفل ومراهق وما تعنيه هذه المراحل العمريّة من هشاشة بدنيّة ونفسيّة خاصّة وأنّ العمليّة التربويّة هي في حقيقتها عمليّة ّ" اصطناعيّة " تدور حيثيّاتها أساسا في مكان مغلق وثانيا لأنّها المرحلة التي تمثّل الأساس الذي تبنى علية بقيّة المشوار المعرفي للمتعلّم وأيضا لأنّ الواقع أثبت بالأرقام والمؤشّرات العينّية فشل هذه المرحلة في بلوغ أهدافها لعدد كبير من التلاميذ ...
هناك شعار ترفعه منظومتنا التربويّة وهو" إلزامية التعليم إلى حدّ السادسة عشر سنة "وهذا مبدأ نظري جميل ولكنّه في الحقيقة يصطدم بواقع يعرفه جيّدا من يدرّسون السابعة أساسي وهو أنّ عددا كبيرا من التلاميذ يصلون التعليم الإعدادي وليس لهم لا المستوى المعرفي ولا الرغبة في مواصلة مشوارهم التعليمي وهؤلاء على الأغلب يمثّلون النواة الأساسيّة للمنقطعين عن التعليم في المرحلة الإعداديّة وتكون هنا ردّة الفعل الطبيعيّة هي التفكير في انتشال أو استيعاب هؤلاء بصفة مبكّرة ضمن تعليم إعدادي مختلف يكون فيه حضور الجانب اليدوي أو الحرفي حاضرا بقوة إلى جانب النظري.
طبعا سيكون من أهمّ أهداف الإصلاح التربوي المرتقب هو تقليص أعداد هذه الفئة ولكن الى أن نبلغ هذا الهدف فانّ الحكمة تقتضي أن نعيد الاعتبار إلى التكوين الحرفي أو ما كان يسمّى بالتكوين المهني .
وهنا لديّ عدّة ملاحظات أوّلها أنّ الاعداديّات التقنيّة الحاليّة غير موجودة في كلّ المعتمديّات كما أنّ طاقة استيعابها تبدو محدودة مقارنة بالحاجيات الفعليّة علاوة على أنّها غير معروفة بالنسبة لأغلب التلاميذ المعنيّين بها وقد استمعت قبل سنوات إلى أحد وزراء التربية السابقين الذي عبّر عن رغبته لإنهاء وجود هذه الاعداديّات .
ثاني ملاحظاتي هي ملاحظة شكليّة ولكنّها تحيل إلى معنى عميق وتتعلّق بالاسم وهو "التقنيّة " بدل " الحرفيّة " وتغيير الاسم تمّ منذ عقدين تقريبا على الأغلب لانّ كلمة " الحرفة "ربّما لديها وقع سيّء لدى عامّة التونسيّين فكلّ وليّ يدخل ابنه إلى المدرسة الابتدائيّة يحلم بأن يصبح ابنه طبيبا أو مهندسا أو محاميا أمّا العمل الحرفي فهو نظير للفشل في الحياة ويبدو أنّ الجميع تماهى وقبل هذا الاعتقاد أو لأقل العقلية الخاطئة فكان ما كان ...
وكان ما كان يطول الحديث فيها لأنّ هذا الفراغ الحرفي الذّي كان من نتائج آخر إصلاح تربوي كانت له تداعيات سيّئة على عدد ضخم من المراهقين الذين وجدوا أنفسهم خارج أسوار المدرسة الإعدادية بدون مستوى علمي ولا تكوين حرفي فكانوا فريسة سهلة للضياع والانحراف وأيضا للتطرّف وغيرها وهذا ما كان ليكون لو أنّ هذا الشباب كان محصّنا بحرفة كانت ستكون شغله الشاغل...
لا أدري حقيقة أن كانت ثقافتنا العميقة تمكنّنا من إدراك أهميّة هذا النشاط البشري الجذري الذي هو في حقيقته نتيجة امتزاج لما أسمّيه بالعلم الفطري الناتج عن التجربة البشريّة ومهارة اليدين والحاجيات اليومية الأساسيّة وهي المهارات التي مكّنت الإنسان من أن يحافظ على استمراريّة وجوده وأن يتأقلم مع جميع البيئات على كوكب الأرض وذلك منذ ما قبل الثورة الزراعيّة وخاصّة في ما بعدها فعلماء التاريخ القديم يتلمّسون اليوم ملامح الحياة البشريّة الأولى خاصّة وأساسا من خلال الأدوات الصوّانية التي نحتها أسلافنا بكلّ براعة من أجل تلبية احتياجاتهم الحياتيّة اليوميّة آنذاك ثمّ واثر الثورة الفلاحيّة فانّ الصنعة هي ما مكّن البشر وقبل ظهور العلم من تلبية حاجات جديدة وحتّى غزو العالم (التطوّر) وهنا سوف أكتفي بذكر ظهور تقنيات البناء بواسطة الطين والتي ظهرت لأوّل مرة في التاريخ في مدينة أوروك (العراق) والتي أتت تلبية لحاجة الإنسان إلى الاستقرار أو حرفة النجارة التي مكّنت مثلا من صنع السفن التّي بواسطتها تمكّن الإنسان من الولوج إلى عالم البحر وبالتالي للوصول إلى أراضي بعيدة مكّنته من تطوير نشاط بشري آخر وهو التجارة وهنا أستطيع أن أضيف أنّ النجارة كانت مهنة كثير من الأنبياء وأوّلهم نوح عليه السلام وقصّة سفينته المعروفة التي صقلها بيديه لتحمل أسلافنا الصالحين والتنوّع البيولوجي إلى برّ الأمان ومكّنت بالتالي الحياة من الاستمرار على كوكب الأرض ...
أستطيع الحديث مطوّلا على أهميّة صنعة النجارة التي اتخذتها كمثال وهذه الأهميّة تتجاوز الماضي لتخترق الحاضر بكل قوّة وهنا أستطيع أن أذكر قصّة النجّار عيسى بن نصر رحمه الله ابن مدينة قليبية الذي استطاع أن يجعل من صنعته فنّا بأتمّ معنى الكلمة أكسبته شهرة في كامل تراب الجمهورية التونسية وجعلت مدينته إلى اليوم قبلة التونسييّن الباحثين على أثاث يجمع بين الجودة والذوق الرفيع ...
والقصص التونسيّة الجميلة في هذا المجال كثيرة ومنها قصّة التونسي عز الدين عليّة الذي أحبّ مهنة الخياطة وحمله شغفه إلى مدينة الموضة العالميّة باريس ليصبح مصمّما عالميّا للأزياء تسابقت شهيرات العالم ومنهنّ زوجة إحدى رؤساء الولايات المتحدة (ميشال أوباما ) للفوز بإحدى تصاميمه الفريدة ...
كما أستطيع أن أضيف قصّة خبّاز الرئيس الفرنسي، التونسي رضا خضر الذي بدأ في صناعة الخبز في سنّ الخامسة عشر سنة في مخبزة أخيه واستطاع بعد سنوات أن يتفوّق في فرنسا في مجال صنع مخبوزات هي في الأصل اختصاصات ابتكرها الفرنسيّون .
هذه أمثلة قليلة أردت من خلالها ان أذكّر بأنّ النشاط الحرفي كان ولازال مثل العلم حاجة أساسيّة لتطوّر الأفراد والمجتمعات وأنّ إعادة الاعتبار إليه ضمن رؤية جديدة للتعليم الأساسي هو أمر ملحّ وذلك يكون حسب رأيي في إطار بعث إعدادية حرفيّة تكون موجودة في كلّ معتمديّة وذات طاقة استيعاب مهمّة ويكون التكوين فيها شاملا لمواد مثل تاريخ الحرف وأيضا اللغات التطبيقيّة ويمكن أن تحيل لاحقا إلى التكوين المهني وحتّى إلى التعليم الثانوي...
بقلم: نبيل بن ابراهم