Print this page

عندما يتحول نظام "الشركات غير المقيمة والمصدرة كليا" إلى أداة للتلاعب بالمؤشرات الرسمية للمبادلات التجارية في تونس

اعلنت وزارة الخارجية "ضرورة مراجعة علاقات الشراكة بين

تونس والاتحاد الأوروبي"بتاريخ 26 مارس 2026. كما صدر عن وزير الخارجية الجمعة 8 ماي 2026 ما مفاده إن "اتفاقية الشراكة التي أبرمت منذ أكثر من ثلاثة عقود بين تونس والاتحاد الأوروبي لم تعد قادرة على الاستجابة بشكل كامل للتغيرات الاقتصاد العالمي". ويضيف "مراجعة الاتفاقية وإضفاء طابع التوازن على مضمونها بات مُلحّا". الحقيقة هذا الاتفاق لم يشفع بتقييم مبدئي ولا بُعيد تطبيقه ولا إلى اليوم...

في الأثناء تشهد الساحة التونسية منذ عدة سنوات نشاط مكثف للأطراف الداعمة للمنوال التنموي السائد في تونس والذي يرتكز أساسا على العلاقة مع الاتحاد الأوروبي بداية من أوائل السبعينات عبر انتصاب شركات المناولة التي تشتغل في إطار القانون عدد 38 المؤرخ في 27 أفريل 1972. والتي تتحصل على منح سنوية اجتماعية ومنح تأهيل بمبلغ مليار دولار أمريكي سنويا (أي ما يعادل 3 مليار دينار سنويا) تدفع من خزينة الدولة حسب ما أكده تقرير البنك الدولي سنة 2014.

حيث كثر التسويق المُفرط لمزايا هذا المنوال، ولا حرج في ذلك إن كان الامر صائبا. ولكن عندما يصل الأمر إلى الادعاء أن لتونس فائضا تجاريا مع أهم بلدان الاتحاد الأوروبي بداية بفرنسا، ثم فائضا مع إيطاليا ومع ألمانيا كذلك...فأصبح الأمر خطيرا رغم سذاجته ويرتقي إلى مستوى الاستخفاف بذكاء الشعب التونسي والاستهزاء بقيمه وبقدرته على التمييز بين الحق والباطل. مما يستدعي ضرورة التصدي لهذه المغالطات التي أصبحت تقف صدا أمام أي إصلاح يمكّن البلاد من استدراك الأمر من أجل منوال تنموي يستجيب لتطلعات شبابه في الشغل والحرية والكرامة الوطنية...

الخطير في الأمر كذلك هو أن هذا التسويق تبين أنه مُمنهجا ويتمتع بشبكة عميقة وواسعة تغلغلت في العديد من الإدارات الهامة في البلاد وتشابكت فيها عديد المصالح الداخلية والخارجية في علاقة بالتوريد المفرط والمتصاعد وما يجنيه من أرباح طائلة وبالمديونية الخارجية بالعملة الأجنبية التي جعلت البلاد عرضة للابتزاز السياسي والاقتصادي والتجاوزات العديدة التي تصادر حق تقرير المصير.
وهو ما جعل الخوض في هذا الموضوع من الممنوعات الكبرى والحال أنه حق مكتسب للدفاع عن حق البلاد في تقرير مصيرها وفي مطالبة الشريك "الأول" بتوضيح مواقفه خاصة أنه تبنى موقف الأطراف الداخلية وادعى وجود فائضا تجاريا لتونس. والأغرب في الامر أنه سيبرر موقفه بالاعتماد على إحصائيات "المعهد الوطني للإحصاء" التونسي الذي لا ينشر نتائج المبادلات التجارية للبضائع في "النظام العام المقيم" المُعتمد دوليا في احتساب نتائج المبادلات التجارية وهي متوفرة. وينشر عمدا النتائج الإجمالية لبلدان الاتحاد الأوروبي مع دمج نتائج النظامين سعيا للمغالطة.

حسب الإحصائيات الصادرة عن وكالة النهوض بالصناعة المُحيّنة في أفريل 2026 يتكون النسيج الصناعي التونسي بأكمله من 604 4 مؤسسة تشغل من 10 أشخاص إلى ما أكثر. من بينها 066 2 مصدرة كليا.
نظام الشركات غير المقيمة والمصدرة كُليّا غير مُلزم باسترجاع مداخيل التصدير بنص قانون الصرف للبنك المركزي التونسي. كما أن توريد مدخلات الإنتاج حرة ولا تخضع لأي أداء.
من هذا الانطلاق صدر دليل المحاسبة القومية لسنة 2008 عن الأمم المتحدة"SCNSystème de Comptabilité Nationale" المُصادق عليه بإجماع كل الدول بما فيهم تونس. حيث أكد أن المبادلات التجارية للبضائع في نظام الشركات غير المقيمة والمصدرة كليا لا تُسترجع مداخيل تصديرها إلى بلد المناولة بما أنها على ملك ذوات شخصية أو مدنية غير مقيمة، إلا في حالة تحويلها لملكية مُقيم مع إثبات ذلك عند خروج البضائع من بوابة الديوانة. وهو ما بنى عليه صندوق النقد الدولي إصدار النشرية السادسة لدليل ميزان الدفوعات سنة 2009. الذي أكد على ضرورة عدم احتساب توريدا وتصديرا بضائع نظام الشركات غير المقيمة والمُصدرة كليا في المبادلات التجارية لبلدان المناولة. وهو ما بني عليه أيضا دليل الإحصائيات للبضائع الصادر عن الأمم المتحدة سنة 2010 والمصادق عليه بالإجماع بما فيهم تونس. كما تقرر تطبيق كل هذه التنقيحات بداية من سنة 2010. غير أنه تونس لم تطبق هذه التنقيحات إلى اليوم. والحال أن الهدف منها هو استبعاد المغالطات على مستوى ميزان المدفوعات سعيا لمزيد من الشفافية في المعاملات الدولية. حيث تم اكتشاف تلاعب في علاقة بظاهرة العولمة وتطور المناولة في العالم.
وهو واقع الحال بالنسبة لتونس التي دأبت على اقتطاع سنويا مبلغا من العجز التجاري الحقيقي بدعوى أنه فائضا تجاريا من نظام "الشركات غير المقيمة والمصدرة كليا"(الذي لا يسترجع ولا وجود له أصلا بنص قانون الصرف للبنك المركزي) لتقليص العجز الحقيقي مما يمكنها في نفس الوقت من الترفيع في نسبة تغطية الواردات بالصادرات من %30 إلى % 74 وتحسين صورة الميزان التجاري للبضائع بطريقة مع الأسف مزيفة والحق يقال.
مثال في سنة 2025:
نتائج المبادلات التجارية للبضائع لسنة 2025 بحساب المليار دينار-المصدر: المعهد الوطني للإحصاء
السنوات 2025 2024 2023
العجزالتجاري المُعلن رسميا بعد إضافة مبلغ 19,5 مليار دينار بدعوى فائضا -21,8 -18,9 -17,1
العجزالتجاري في النظام العام المُعتمد دوليا 41,3 - 37,2 - 35,0 -
مبلغ يتم إسقاطه بدون أي سند على أساس فائضا في نظام "Offshore"لا وجود له 19,5 18,3 18,0
نسبة تغطية الواردات بالصادرات % الحقيقية % 29,8 % 33,7 % 34,4
نسبة تغطية الواردات بالصادرات % بعد اسقاط مبلغ 19,5 مليار دينار غير موجود 76,6% 78,4% 69,5%

● كما نلاحظ، هذه العملية قلصت العجز التجاري في حدود-21,8 مليار دينار سنة 2025 ونسبة التغطية ارتفعت من %29,8 إلى76,6%. وهو ما يتم تضمينه في ميزان المدفوعات الذي يقدمه البنك المركزي لصندوق النقد الدولي.

•من هذا المنطلق ولرفع كل الالتباس، نرجو من المسؤولينالإذن للمعهد الوطني للإحصاء بنشر نتائج المبادلات التجارية في "النظام العام-Onshore" المُتوفّرة لديه، بين الجمهورية التونسية وكل بلدان الاتحاد الأوروبي كلّ على حدة بأسرع وقت وبطريقة مُستمرّة، لكشف حقيقة المبادلات المختلّة.
هذه المسألة طُرحتفي جلسة نظمها البنك المركزي حول التجارة الخارجية برئاسة محافظ البنك الأسبق المرحوم الأستاذالشاذلي العياري. حيث تم شرح الموضوع بصراحة. وتباعا لذلك نشر البنك تقريرا بتاريخ 15 فيفري 2017 حول "تحليل المبادلات التجارية لسنة 2016" أوضح بمقتضاه مردود نظامي "اOnshore" و"Offshore" "لأول مرة" كما ذكر.

●أكد التقرير أن "القيمة المضافة للشركات "غير المُقيمة والمُصدرة كليا" محدودة، ولا تُعزّز رصيد الدولة من العُملة الأجنبية" لأنها لا تُسترجع. لذلك طالب بضرورة إعادة النظر في المنوال التنموي. ونصح بالاستثمار في بعث شركات "محلية مُقيمة" ذات قيمة مضافة عالية، تُعزز رصيد البلاد من العملة الأجنبية عبر التصدير وتُوفر مواطن شغل قارة وذات قيمة علمية عالية. وهو موقف مُشرّف لجرأته ولعمقه. وهو ما نطالب به إلى اليوم لدفع المسيرة التنموية في البلاد.

نؤكد أننا حاولنا بكل مسؤولية، رغم كل ما تعرضنا له من تهديد خطير وابتزازطال مؤسسات صناعية وطنية، بأن نتشاور حول حل ينطلق من المكاشفة رغم فظاعةهذاالغش المؤسف، سعيا لتوفير فرصة لوضع حد لهذه الممارسات حفاظا على حقوق تونس وشعبها.

● انخراط العديد من الجهات الإدارية والنقابية والمؤسسات المالية العمومية في الدفاع عن المغالطات المُضرة للبلاد،ولصالح الخارج من أجل مصالح ضيقة، يدل على مدى تغلغل الطرف الخارجي في محور القرار الوطني تجلت عبر تفشي دور "جمعيات تأثير" بعنوان المساعدة الفنية وغيرها واستفردت بالقرار الوطني؟
هذا الاستدراج الجديد تحت عباءة الشراكة داخل مؤسسات وطنية أعظم خطر يهدد استقلال البلاد وحقه في تقرير مصيره. من المذهل أن نشهد بنوك عمومية أُسّست إثر الاستقلال لتحرير الاقتصاد الوطني وتنميته تتحول إلى أداة تنكيل وتدمير للمؤسسات الوطنية سعيا لضرب حرية الرأي وحرية الدفاع عن حق تقرير المصير وترضية لصالح الأطراف الخارجية.

● نعتبر أن الإذن بتكوين لجنة تحقيق رسمية وسريعة حول هذا الموضوع، مع رد الاعتبار المعنوي ووضع حد للتهديد وجبر الأضرار التي تهدد مواطن الشغل حيث البطالة مستشريه، يُعتبر خطوة هامة نحو تصحيح المسار التنموي في تونس.
بقلم :جمال الدين العويديدي مختص في الاقتصاد والتنمية

المشاركة في هذا المقال