Print this page

الكيان الصهيوني والاتفاق المحتمل بين إيران والولايات المتحدة

منذ عودة الحديث عن إمكانية التوصل إلى تفاهم جديد

بين الولايات المتحدة وإيران بشأن الملف النووي، يعيش الكيان الصهيوني حالة من القلق السياسي والأمني المتصاعد. إذ تعتبر تل أبيب أن أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية ويبقي على النظام، إنما يمنح طهران وقتا إضافيا لترتيب أوراقها الإقليمية وتعزيز نفوذها العسكري والسياسي في الشرق الأوسط.
فالكيان الصهيوني، الذي بنى جزءا هاما من عقيدته الأمنية منذ سنوات على تصوير إيران على أنها الخطر الوجودي الأكبر، يخشى من أن تتجه واشنطن مرة أخرى نحو سياسة الاحتواء بدل المواجهة. فالولايات المتحدة ترهقها الحروب طويلة المدى مع انشغالها بمنافسة الصين ورغبتها في منع أي انفجار إقليمي واسع قد يهدد الاقتصاد العالمي وسوق الطاقة.
ومنذ الاتفاق النووي لسنة 2015، عارض الكيان الصهيوني بشدة أي تسوية مع إيران، معتبرا أن رفع العقوبات الاقتصادية عن طهران سيسمح لها بتمويل حلفائها الإقليميين أكثر فأكثر وتطوير قدراتها العسكرية. وقد بلغ هذا الرفض ذروته خلال حكم بنيامين نتنياهو الذي حاول التأثير مباشرة على القرار الأمريكي، حتى أنه ألقى خطابا داخل الكونغرس الأمريكي آنذاك مهاجما الاتفاق، في خطوة عكست حجم التوتر بين الحكومتين الأمريكية والصهيونية في تلك المرحلة.
لكن المشهد الحالي يبدو أكثر تعقيدا. فإيران اليوم ليست إيران 2015، إذ نجحت خلال السنوات الماضية في تطوير قدراتها الصاروخية وتوسيع شبكة نفوذها الإقليمي، كما راكمت خبرة كبيرة في الالتفاف على العقوبات. وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة لم تعد تملك الحماسة نفسها لخوض مواجهة عسكرية مفتوحة في الشرق الأوسط، خاصة بعد التجارب المكلفة في العراق وأفغانستان.
هذا التحول يثير مخاوف عميقة داخل المؤسسة الأمنية الصهيونية، التي تخشى أن يتحول الاتفاق المحتمل إلى نوع من الاعتراف الضمني بإيران كقوة إقليمية. كما تخشى تل أبيب من أن يؤدي أي انفراج أمريكي-إيراني إلى تراجع مستوى التنسيق الاستراتيجي بينها وبين بعض القوى الإقليمية التي توحدت معها خلال السنوات الأخيرة تحت عنوان مواجهة النفوذ الإيراني.
وفي المقابل، تدرك إيران بدورها أن أي اتفاق مع واشنطن لن يكون مجرد ملف تقني مرتبط بتخصيب اليورانيوم، بل جزءا من صراع أوسع حول النفوذ الإقليمي وترتيبات الأمن في الشرق الأوسط. لذلك تسعى طهران إلى تحقيق معادلة دقيقة تقوم على رفع العقوبات الاقتصادية الخانقة دون تقديم تنازلات استراتيجية كبرى تمسّ مشروعها الإقليمي أو قدراتها العسكرية.
أما الولايات المتحدة، فتبدو وكأنها تبحث عن تسوية مؤقتة أكثر من بحثها عن حل نهائي. فالإدارة الأمريكية تعلم أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل كامل قد يتطلب حربا واسعة وغير مضمونة النتائج، بينما يسمح الاتفاق، ولو بشكل محدود، بتجميد التوتر وكسب الوقت وتقليل احتمالات الانفجار المباشر.
غير أن الإشكال الأساسي يكمن في أنّ الكيان الصهيوني لا يثق كثيرا في منطق كسب الوقت. فالعقيدة الأمنية الصهيونية تقوم على منع الخصوم من امتلاك عناصر القوة الاستراتيجية قبل وصولهم إلى "نقطة اللاعودة". ولذلك تواصل تل أبيب سياسة الضربات الأمنية والاستخباراتية ضد المصالح الإيرانية، سواء عبر الاغتيالات أو الهجمات السيبرانية أو استهداف مواقع مرتبطة بإيران في المنطقة.
ومن المؤكد أنه في حال تم التوصل إلى اتفاق جديد بين واشنطن وطهران، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة مزدوجة أساسها تهدئة دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران من جهة، وتصعيد أمني غير مباشر بين إيران والكيان الصهيوني من جهة أخرى. فتل أبيب قد تسعى إلى إفشال أي تفاهم لا ينسجم مع رؤيتها الأمنية، بينما ستعتبر إيران أن تعزيز نفوذها الإقليمي وتقوية حلفائها في لبنان واليمن والعراق هو أفضل ضمانة لمواجهة أي تهديد مستقبلي.
وبالتالي لا يبدو الصراع بين إيران والكيان الصهيوني مجرد خلاف عابر حول الملف النووي، بل هو تعبير عن معركة أوسع تتعلق بشكل الشرق الأوسط القادم، وبمن يمتلك القدرة على فرض موازين القوة والنفوذ فيه. لذلك فإن أي اتفاق أمريكي-إيراني، مهما بدا تقنيا أو محدودا، سيظل يحمل في داخله أبعادا استراتيجية عميقة قد تعيد رسم التوازنات الإقليمية لسنوات طويلة قادمة.

المشاركة في هذا المقال