حاسما مع حلول منتصف ماي حيث كشفت التطورات الأخيرة عن هوة عميقة بين طموحات واشنطن في فرض "استسلام تقني" على طهران، وبين واقع سياسي وميداني يثبت أن إيران لا تزال تمتلك أوراقا تجعل من "صمودها" موقف قوة لا مجرد دفاع عن النفس.
فقد أعلنت طهران امس الاثنين تمسكها بمواقفها بعد رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ردّها على اقتراحه لوقف الحرب، ما أدّى الى ارتفاع كبير في أسعار النفط. وجاء رد ترامب بوصف المقترحات الإيرانية بأنها "غير مقبولة على الإطلاق" ليضع المنطقة أمام سيناريو مفتوح. فبينما كان البيت الأبيض يراهن على أن الحصار البحري الخانق لمضيق هرمز والضغوط الاقتصادية ستجبر طهران على تقديم تنازلات جوهرية في ملفها النووي وأذرعها الإقليمية، جاء الرد الإيراني الذي سُلّم عبر الوسيط الباكستاني ليعكس ثباتا في "الثوابت".
إيران، بتمسكها بإنهاء الحرب على كافة الجبهات (بما فيها لبنان) ورفع الحصار الشامل مقابل إعادة فتح المضيق، تؤكد أنها لن تقبل بصفقة "من طرف واحد". هذا الصمود يستند إلى حقيقة أن طهران نجحت في تحويل مضيق هرمز من ممر تجاري دولي إلى "ورقة استراتيجية"، مما منحها اليد العليا في التحكم بنبض الاقتصاد العالمي.
لا يمكن قراءة الموقف الإيراني بمعزل عن ثلاث أوراق رئيسية تمنحها القدرة على المناورة من "موقع قوة وهي سلاح الطاقة ، فالارتفاع الجنوني لأسعار النفط (تجاوز برنت حاجز الـ 104 دولارات) يمثل ضغطا هائلا على الإدارة الأمريكية وحلفائها في آسيا وأوروبا.
وكذلك المخزون النووي أي التلميح الإيراني بالاستعداد "لتخفيف" اليورانيوم مقابل تنازلات سياسية .
أضفا الى ذلك ، العمق الإقليمي عبر ربط طهران لوقف الحرب في الخليج بوقف العمليات في لبنان والذي يثبت أن "وحدة الساحات" لا تزال ورقة تفاوضية فعالة لم تنجح آلة الحرب في تحييدها.
بينما يتصارع الكبار على طاولة المفاوضات، تبرز "القنبلة المالية الموقوتة" في القارة الآسيوية. فالاقتصادات الكبرى مثل الهند وتايلاند بدأت تترنح تحت وطأة تكاليف الطاقة، مما يضع ضغوطا دولية (لا سيما من الصين) على واشنطن لضرورة إنهاء هذا الصراع.
وفي المقابل، يبدو أن مجرم الحرب نتنياهو يحاول استغلال هذا الزخم لإعادة صياغة علاقة دولة الاحتلال بواشنطن، مطالبا بالاستقلال المالي العسكري، في خطوة تعكس رغبة بمزيد الضغط على إدارة ترامب . وكذلك هي محاولة لفك ارتباط كيان الاحتلال بداعمها المطلق ماليا أي الولايات المتحدة لكي يواصل نتنياهو سياساته الجنونية القائمة على الاجرام والتقتيل وسفك الدماء والهروب أكثر فأكثر من المحاكمات التي تنتظره دوليا وداخليا.
إن العالم اليوم يترقب قمة بكين المرتقبة بين شي جينبينغ وترامب، ليس فقط كلقاء ثنائي، بل كفرصة أخيرة لفرض التوازن الذي قد يؤدي إلى تسوية سياسية. إن صمود إيران في وجه المقترح الأمريكي المرفوض يثبت أن سياسة "الضغوط القصوى" بنسختها الجديدة لم تحقق أهدافها النهائية بعد، وأن الطريق إلى الاستقرار في الشرق الأوسط يمر عبر الاعتراف بمصالح كافة الأطراف ، لا عبر الإملاءات الأحادية.
فهل يدرك ترامب أن "فن الصفقات" يتطلب شريكا يقبل الحلول الوسط، أم أن المنطقة ستظل رهينة لحرب استنزاف تحرق الأخضر واليابس في أسواق الطاقة واقتصادات الشعوب؟
الأزمة بالأرقام
إمدادات الطاقة 20 بالمئة نسبة النفط والغاز المسال العالمي المحتجز خلف مضيق هرمز. |
الإنتاج المفقود ...1 مليار برميل تقديرات خسائر الإنتاج العالمي منذ بداية الحرب في فيفري
خسائر آسيا 299 مليار دولار إجمالي الخسائر الاقتصادية المتوقعة لدول آسيا والمحيط الهادئ