الدفاع الوطني ووزارة التربية، تتمثل في تنظيم أيام إعلامية موجهة لمستشاري الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، بهدف تعزيز المعرفة بهذه المؤسسات وتحسين مدخلات التكوين فيها، وتشجيع حاملي شهادة الباكالوريا -والمتميزين منهم خاصة-على الإقبال عليها. وقد أسفرت هذه المبادرة عن نتائج أولية ملموسة منذ انطلاقها.
وقد شكّلت دورة 21–24 أفريل 2026 محطة لافتة في هذا المسار، جمعت بين التعريف الميداني بمؤسسات التعليم العالي العسكري وتعزيز الشراكة مع سلك المستشارين، في إطار تنسيق مؤسساتي يُنقل المستشار من دور محدود إلى فاعل استراتيجي في منظومة التوجيه الوطنية.
أثر إعلامي ومؤسساتي لافت
واكبت التظاهرة تغطية إعلامية واسعة من وكالة تونس أفريقيا للأنباء والتلفزة الوطنية، إلى جانب صحف ومواقع إلكترونية تولّت متابعة مجريات الأيام الإعلامية. كما خصصت التلفزة الوطنية نشرتها الرئيسية لتأمين متابعة يومية على امتداد أربعة أيام، مما منح الحدث صدى وطنياً لافتاً.ولم يقتصر الأثر على التعريف بمؤسسات التعليم العالي العسكري، بل شمل أيضاً إبراز سلك مستشاري الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي، في واحدة من أبرز المحطات التي حظي فيها هذا السلك بحضور مؤسساتي وإعلامي لافت منذ إحداثه قبل أكثر من ثلاثين سنة، أعاد إلى الواجهة سؤال موقعه الحقيقي ودوره الفعلي داخل المنظومة التربوية.
فتح الأبواب على واقع التكوين العسكري
أتاحت الأيام الإعلامية للمشاركين فرصة ميدانية لزيارة أربع مؤسسات مرجعية تابعة لوزارة الدفاع الوطني: الأكاديمية البحرية بمنزل بورقيبة، ومدرسة الطيران ببرج العامري، ومدرسة الصحة العسكرية بباب سعدونوالأكاديمية العسكرية بفندق الجديد. وشملت الزيارات عروضاً مفصلة حول شروط الانتداب وأنظمة الدراسة والاختصاصات المتاحة وآفاق العمل بعد التخرج، إضافة إلى التعرف على البنية التحتية ووسائل التدريب والمحيط الجامعي والعسكري الذي يحتضن الطلبة الضباط.
لم تكن هذه الزيارات مجرد جولات تقنية، بل تجربة متعددة الأبعاد امتزج فيها الوجداني بالرمزي؛ إذ عاش المشاركون جرعات مكثفة من النخوة والاعتزاز بالانتماء، مقرونة بشعور عميق بالتقدير، تجلّى عبر مختلف محطات الزيارة: من حفاوة الاستقبال واللافتات والكلمات الافتتاحية، إلى العروض التي جسّدت التنظيم المحكم والانضباط وروح الإخلاص، وصولاً إلىمأدبة الغداء...وفي الأكاديمية العسكرية بفندق الجديدالمستعدة للاحتفال بستينيتها، تابع المشاركون عروضاً رياضية وقتالية أنجزها المتدربون بجاهزية لافتة، رافقتها صيحات حماسية جسّدت قيم الإخلاص للوطن. وقد برز شعار الأكاديمية الدائم "الحياة عقيدة وجهاد" إلى جانب شعار السنة التكوينية 2025–2026 المستوحى من قول علي البلهوان: "نحن لا ننتظر المستقبل بل نصنعه بفكرنا وسواعدنا وإرادتنا"، بما يؤكد تصوراً للتكوين يتجاوز الكفاءات التقنية نحو بناء الشخصية وترسيخ قيم الالتزام وربط النجاح الفردي بخدمة الصالح العام.
مدرسة الانضباط: نموذج قيمي في زمن البحث عن المرجعيات
تكشف هذه المشاهد عن بُعد تربوي يستحق التأمل، فالمدرسة العمومية، رغم أنها نشأت تاريخياً في جزء من تنظيمها على نماذج الانضباط العسكري والصناعي كما تجسد في إصلاحات العصر النابليوني، فقدت اليوم جانباً مهماً من ذلك النسق. ولا تعني استعادة هذا النسق الدعوة إلى عسكرة المدرسة، بل استلهام روح الانضباط كقيمة ضمن توازن يزاوج بين النظام والمرونة، وبين المسؤولية والابتكار.
ففي زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية ويتزايد بحث الأسرة والمدرسة عن مرجعيات تربوية واضحة، تبرز المؤسسة العسكرية بوصفها إحدى المؤسسات القليلة التي ما تزال محافظة على نموذج تنظيميقائم على احترام الوقت والانضباط الذاتي وتحمّل المسؤولية والعمل الجماعي وثقافة الواجب. وما عاينه المشاركون لم يكن عرضاً مناسباتياً، بل تجسيداً يومياً وعملياً لهذه القيم في السلوك والتنظيم الميداني. ومن هذه الزاوية، تبدو المؤسسة العسكرية فضاءً للتكوين القيمي بقدر ما هي فضاء للتكوين الأكاديمي والمهني، فتغدو هذه الأيام دعوةً إلى تأمل ما تحتاجه المدرسة التونسية من توازن جديد بين الحرية والانضباط، وبين الانفتاح والمسؤولية.
من هم مستشارو الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي؟
وإذا كانت هذه الأيام قد فتحت الأبواب على واقع التكوين العسكري وما يتيحه من مسارات نوعية، فإنها أبرزت في الآن نفسه أهمية الوسيط التربوي الذي يربط التلميذ بهذه الآفاق، أي سلك مستشاري الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي. وقد أُحدث هذا السلك سنة 1993، ويُنتدب عبر مناظرة داخلية موجّهة إلى المدرسين ذوي الخبرة بالتعليمين الإعدادي والثانوي، ثم يخضع أفراده لتكوين متخصص يمتد سنتين، يُتوّج بالحصول على شهادة ماجستير مهني في المجال.وتتمثل مهام المستشار في تعريف التلاميذ بالمسارات الدراسية والتكوينية وآفاقها المهنية، ومرافقتهم في بناء اختياراتهم، ومساعدة الأولياء على فهم منظومة التوجيه، والإصغاء إلى صعوباتهم النفسية والدراسية والاجتماعية، وتنشيط ورشات حول معرفة الذات والتخطيط للمستقبل، إلى جانب ربط المؤسسة التربوية بمحيطها الجامعي والاقتصادي والاجتماعي.
أرقام وحقائق: فجوة بين الإمكانات والواقع
رغم هذه الأهمية الاستراتيجية، ظل حجم السلك محدوداً جداً مقارنة بحاجيات المنظومة التربوية. فمن أصل 305 مستشارين تخرجوا منذ الإحداث، لا يتجاوز العدد الفعلي اليوم 136 مستشاراً (إحصاء 8 أفريل 2026)، بعد احتساب المغادرين إلى التقاعد. وتُقرأ هذه الفجوة في ضوء صعوبات هيكلية متراكمة: نقص الانتدابات وازدحام الزمن المدرسي، وضعف التنسيق بين الوزارات، واختزال الوظيفة في أدوارموسمية. بل عرف السلك فترة تعطيل مؤسساتي خلال 2005–2008 حين حاول وزير التربية آنذاك إلغاءه كلياً. ومع ذلك، شهد السلك على امتداد السنوات مبادرات متعددة، فردية وجماعية، رسمية وغير رسمية. غير أن هذه الجهود بقيت متفرقة، دون أن ترتقي إلى مستوى المأسسة والاستدامة..
نحو رؤية وطنية أوسع للتوجيه
ما تحقق من تعاون بين وزارتي الدفاع والتربية- ومن نتائج أولية مشجعة في تحسين مدخلات التكوين العسكري منذ 2024- يمكن أن يُشكّل نموذجاً وطنياً قابلاً للتوسيع عبر شراكات مماثلة مع التعليم العالي والتكوين المهني والصحة والثقافة وسائر القطاعات ذات الصلة. غير أن نجاح هذا التوجه يقتضي ثلاثة شروط جوهرية: دعم الانتدابات بانتظام، وتخصيص فضاءات وأزمنة رسمية للتوجيه داخل المؤسسات، وإحداث هيكل وطني مختص بالإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي والمهني على غرار ما هو موجود في البلدان المتقدمة.
التوجيه كسياسة عمومية: من المبادرة إلى الاستدامة المؤسسية
أثبتت الأيام الإعلامية للتعريف بالتعليم العالي العسكري أن التعاون بين مؤسسات الدولة قادر على إنتاج مبادرات ذات أثر ملموس، وأن التنسيق بين الإعلام والتوجيه والتكوين يسهم في تحسين جودة الاختيار والرفع من مستوى المترشحين. غير أن القيمة الأعمق لهذه التجربة تكمن فيما تفتحه من أفق لإعادة التفكير في موقع التوجيه داخل المنظومة التربوية، بوصفه وظيفة مستمرة لا مجرد تدخل ظرفي.
ولو توفّرت مثل هذه المبادرات منذ ثلاثين سنة، منذ تخرّج أول دفعة في جانفي 1996، لكان موقع التوجيه اليوم أكثر رسوخًا وفاعلية.غير أن التحدي لا يتمثل في استعادة ما فات، بل في تثمين ما تحقق وتحويل هذه التجارب إلى سياسة عمومية مستقرة تجعل من التوجيه أحد أعمدة المدرسة العمومية الحديثة، القائمة على الوعي والاختيار والمسؤولية.
وفي هذا الإطار، يتأكد أن الإعلام التربوي لا يُختزل في الدعاية ولا في أشكال التأثير الوصائي التي تُعامل المتلقي كقاصر، بل يقوم على تمكينه من المعلومة الموثوقة ومرافقته في فهم ذاته واستيعاب الفرص المتاحة. وهو ما يُميّزه عنكثير من الممارسات التواصلية والإعلامية المتداولة، حيث تختلط المعلومة بالترويج ويغلب منطق الاستقطاب. ومن هنا تبرز أهمية صون الفعل التربوي من اختزاله في منطق السوق، بما يعزّز دور المربين- وخاصة مستشاري الإعلام والتوجيه- في ترسيخ ثقافة الاختيار الواعي وتحريك الطلب على خدمات التوجيه.
إن الاستثمار في هذا السلك، وتوسيع مجالات حضوره، وتعزيز الاعتراف بوظيفته، لا يمثل مجرد تحسين إداري، بل استثماراً مباشراً في رأس المال البشري، وفي قدرة المدرسة على مرافقة أبنائها نحو بناء مساراتهم بوعي وثقة.
بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي