تتأرجح بين ضجيج السلاح وهدوء المفاوضات الحذر. ومع إعلان الرئيس دونالد ترامب تعليق "مشروع الحرية" العسكري مؤقتا بذريعة "التقدم الكبير" نحو اتفاق، يبدو أن المنطقة أمام فصل جديد من فصول "دبلوماسية الحافة" التي يتقنها الطرفان، فبينما يرى البيت الأبيض في تراجع النشاط العسكري الإيراني مؤشرا على "هزيمة عسكرية"، تبدو القراءة من طهران مغايرة تماما، حيث يُنظر إلى الصمود الحالي كأداة ضغط استراتيجية لا تُضاهى.
لقد شكلت الهدنة التي وُلدت برعاية باكستانية في 8 أفريل الماضي نقطة تحول جوهرية، لكنها ظلت "هدنة هشة" تحت اختبار النيران المتبادلة، خاصة مع الغارات الصهيونية الأخيرة في لبنان . ترامب، الذي يسعى لتكرار نموذج "السلام عبر القوة"، يراهن على أن الحصار البحري والضغوط الاقتصادية الناجمة عن شلل صادرات النفط قد دفعت طهران إلى طاولة المفاوضات وهي في أضعف حالاتها.
إلا أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن طهران لا تزال تمتلك "ورقة هرمز" الرابحة. فبالرغم من القصف العنيف الذي تعرضت له البنية التحتية العسكرية الإيرانية خلال شهر مارس، أثبتت طهران قدرتها على إغلاق الممر المائي الأكثر حيوية في العالم، مما تسبب في شلل حقيقي لسلاسل التوريد العالمية ورفع أسعار الوقود في الداخل الأمريكي إلى مستويات قياسية.
إن صمود إيران في هذه المواجهة لا يعتمد فقط على ترسانتها الصاروخية التي أظهرت فاعلية في استهداف المصالح الأمريكية والإقليمية، بل يعتمد على قدرتها على تحويل "الألم الاقتصادي" إلى ضغط سياسي دولي. فبينما يتحدث ترامب عن "انهيار مالي" إيراني، تعاني الأسواق العالمية من نقص حاد في الطاقة، وهو ما يجعل من الحرب على ايران عملية استنزاف متبادلة .
تصر طهران في مقترحها المكون من 14 بندا على رفع كامل للعقوبات والإفراج عن الأصول المجمدة قبل أي تنازل نووي جوهري، وهو ما يراه الجانب الأمريكي "مطالب قصوى". هذا التباين هو ما يجعل الاتفاق الشامل، الذي يبشر به ترامب، لا يزال يفتقر إلى الضمانات الحقيقية على أرض الواقع.
بموازاة ذلك لم يكن اغتيال قائد عمليات قوة الرضوان، في قلب الضاحية الجنوبية مجرد خرق عسكري صهيوني لهدنة "أفريل" الهشة، بل كان "رسالة نار" إسرائيلية مشفرة وصلت تزامنا مع حديث ترامب عن "التقدم الدبلوماسي". هذا التصعيد يضع طهران أمام اختبار صمود من نوع جديد، خاصة امام مساعي مجرم الحرب نتنياهو لتقويض نفوذ إيران الإقليمي عبر محاصرة حزب الله وفرض "الخط الأصفر" العازل في الجنوب اللبناني . إن تصفية قيادة الرضوان، التي تُعد رأس الحربة في محور المقاومة اللبنانية ضد العدو الصهيوني، هي محاولة صهيونية واضحة لرفع كلفة الصمود الإيراني وإجبار طهران على قبول "البنود غير المقبولة" في الاتفاق الأمريكي، أو مواجهة استنزاف ميداني يبدأ من ضواحي بيروت ولا ينتهي عند شواطئ هرمز.
وفي خضم كل هذا المشهد ، نحن الآن أمام مسارين لا ثالث لهما ، او يتم الاتفاق على نموذج لمذكرة تفاهم تنهي العمليات العسكرية المباشرة وتؤجل الملفات الشائكة (كالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية) لمفاوضات تقنية مطولة، مما يمنح ترامب خروجا من مستنقع هرمز ويمنح إيران نفسا اقتصاديا ضروريا.
أو انهيار الهدنة إذا ما أصرت دولة الاحتلال الصهيوني على تصعيد ضرباتها في العمق اللبناني ، أو إذا شعرت طهران أن "مشروع الحرية" ما هو إلا مناورة لتثبيت الحصار، فإن العودة إلى المربع الأول للصراع ستكون أسرع مما يتوقع الجميع، مع احتمال توسع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت حيوية إضافية في المنطقة.
وفي المحصلة يبدو أن "مشروع الحرية" قد اصطدم بجغرافيا مضيق هرمز العنيدة وبقدرة النظام الإيراني على إدارة الأزمات الكبرى. ويبدو إن الهدنة الحالية ليست نهاية الحرب، بل هي استراحة محاربين في صراع إرادات طويل، سيتحدد مآله بناء على قدرة كل طرف على تحمل كلفة الاستمرار في مواجهة ستكون من أهم نتائجها فرض معادلات قوى جديدة .
الأزمة بالأرقام
مؤشرات النزاع
تاريخ اندلاع المواجهة 28 فيفري 2026.
تاريخ إعلان الهدنة 8 أفريل 2026
مدة الصراع المباشر: 69 يوما حتى تاريخ اليوم.
إمدادات الطاقة 20 بالمئة أي خُمس إمدادات النفط والغاز المسال العالمية تمر عبر مضيق هرمز.
الخطوط الحالية خارج المضيق تنقل 9 ملايين برميل يوميا (نصف الكمية الإجمالية فقط).
ارتفاع أسعار وقود الطائرات بنسبة قياسية وانخفاض الطلب العالمي لأول مرة منذ الجائحة.