Print this page

في رفوف مكتبتي (3) الشرق الأوسط، قوس الأزمات (2014-1914) لنور الدين الدّقي الكتاب الذي كان ينقص مكتبتك

صدر عن دار «نيرفانا» في جانفي 2026

كتاب جديد للمؤرخ التونسي نور الدين الدّڤي «الشرق الأوسط، قوس الأزمات (2014-1914)»، كتاب جاء ليملأ فراغا لا فقط في ثقوب الذاكرة (وهذا ليس بالأمر الهين) بل ليعطي قارئه لوحة قيادة ومفاتيح جوهرية لتفكيك شيفرة قرن معقد في اقليم معقد دونها يستحيل فهم ما يجري حولنا في أحد أهم مسارح اللعبة الكبرى للأمم اليوم.

الفضاء هو كل الدول العربية الآسيوية تنضاف إليها مصر غربا وتركيا وايران مشرقا.. فضاء غرست فيه دولة اسرائيل غصبا فحوّلت بصفة تراجيدية كل توازناته الهشة، فضاء تتصارع فيه وعليه كل الامبراطوريات وتسعى فيه الدول الوازنة في المنطقة إلى لعب ما أمكن من أدوار في مساحات ضيقة للغاية، أما الزمان فهو القرن الذي بدأ مع ما كان يسمى بالحرب الكبرى (الحرب العالمية الأولى) والتي شهدت انهيار الخلافة العثمانية وانتهى باعلان أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الإرهابي، قيام «الخلافة» من جديد بعد احتلال مدينة الموصل ثاني كبريات المدن العراقية.

نحن هنا لسنا أمام عمل أكاديمي كلاسيكي يكتب فيه المختصون للمختصين مع غرق في الجزئيات والاحالات المطوّلة والعديدة، نحن أمام كتاب سهل القراءة وممتعها وهو مجعول لعموم المثقفين والمهتمين بالتاريخ الجيوسياسي وبتحولات العالم ولكن المؤلف مؤرخ متمرس له كتابات عدة لا سيما فيما يتعلق بتاريخ تونس المعاصر فكل المعطيات موثوقة ومستقاة من المصادر الأصلية وكل التواريخ وخباياها دقيقة وعلى عكس عدة كتابات عربية تتعلق بتاريخنا المعاصر فالقارئ لا يجد هنا تلك الايديولوجيا الدفاعية بل بحثا متأنيا لكي تجد الأحداث المتناثرة بطبعها ذلك الرابط التفهمي فكأننا أمام شريط وثائقي سينمائي ترى فيه قصة قرن من الزمن في أكثر مناطق العالم تعقيدا وتوترا...

لقد مثل الشرق الأوسط منذ نهايات القرن التاسع عشر مسرحا لأطماع الامبراطويتين الاستعماريتين البريطانية والفرنسية اللتين تحالفتا لتفكيك تركة «الرجل المريض» وتنافستا من أجل الاستئثار بالغنائم.

قبيل الحرب العالمية الأولى كان الشرق الأوسط المنطقة الأساسية للنفوذ العثماني، نفوذ لم يشمل بلاد فارس ولم يعد ذا فاعلية في مصر وتراجع كذلك في الجزيرة العربية بفعل البروز القوي لبريطانيا ولفرنسا اذ تمكنتا من فرض تنازلات قوية على الباب العالي الذي أقصي تماما من المغرب العربي.

في الحرب الكبرى تحالفت الخلافة العثمانية مع ألمانيا وعملت بريطانيا وفرنسا على افتكاك كل البلاد العربية وكثرت الوعود الكاذبة بـ«دولة عربية كبرى» وفي الأثناء حصلت المعاهدة السرية المعروفة بسايكس بيكو سنة 1916 لتقاسم تركة «الرجل المريض» وبعدها بسنة حصل وعد بلفور بانشاء موطن قومي لليهود في فلسطين والسيطرة على مصدر الطاقة الجديد النفط والاستحواذ على كل طرق التجارة العالمية...

يروي نور الدين الدّڤي القصة الكاملة بمخططاتها ومآمراتها (ولا علاقة لهذا بنظرية المؤامرة) وخياناتها،

لقد غيّر البترول مستقبل الشرق الأوسط بصفة نهائية وجعل منه حلبة مستمرة للصراع بين أطماع مختلف الامبراطوريات الاستعمارية ثم اذا ما أضفنا إلى ذلك فرض تكوين «دولة» اسرائيل والحروب المتعددة لتمددها وضمان هيمنتها وما خلفته من ردود فعل ومن تحولات في نظم الحكم العربية وفي التحالفات وفي صراع الدول الكبرى وكيف انتقلت الهيمنة من بريطانيا أساسا إلى الولايات المتحدة ثم انعكاس الحرب الباردة على توازنات المنطقة وبروز الحركة القومية العربية ووصولها إلى السلطة وحساباتها الخاسرة وحروبها المدمرة وقمعها الرهيب ثم بروز الحركات الدينية العربية والايرانية وكيف تم تفريخ الإرهاب الذي بين من جهة هشاشة بعض الدول القطرية ومدى عمق الأحقاد الطائفية وكيف تم توظيفها على امتداد قرن كامل حتى لا تتمكن دولة واحدة من امتلاك عناصر القوة التي يمكنها أن تهدد بها دولة الكيان المحتلّ.

رهان الكتاب كان يبدو مستحيلا اذ بقدر اتساع الرقعة الجغرافية والحيز الزمني يصعب حينها تجنب الاختزال المخلّ ولكن نور الدين الدڤي أمسك باحكام بمفاصل هذه التحولات الكبرى دون أن يطمس خصوصية مختلف التجارب الوطنية ورهاناتها، فمن الحرب الكبرى وتفكيك الخلافة العثمانية إلى أزمة التحوّل الديمقراطي على خلفية لعبة الأمم لضمان المصالح الاستراتيجية الأمنية والاقتصادية مع الهوامش الضيقة للمناورة في منطقة ترتع فيها الآلة الصهيونية وتتمركز فيها الطاقة الحيوية للعالم.. كتاب يضع أمامنا لوحة قيادة واضحة ودقيقة لفهم الرهانات العميقة للصراعات والحروب والأزمات التي هزت هذه المنطقة على امتداد أكثر من قرن من الزمن..

كتاب ضروري ليس فقط لفهم ما كان بل وبما هو كائن الآن.. هذا هو الكتاب الذي كان ينقص مكتبتك لفهم جزء هام من أزمات منطقتنا ومآلاتها

المشاركة في هذا المقال