Print this page

مالي وعودة شبح التفكك

تشهد مالي تحولا نوعيًا في مسار أزمتها

المركبة، حيث لم تعد البلاد تواجه تهديدا أمنيا تقليديا من جماعات جهادية فحسب، مثلما كان عليه الحال خلال الأشهر الماضية، بل دخلت طورا أكثر تعقيدا يجمع بين تصاعد العمل المسلح ذي الطابع الإرهابي والعودة القوية للمشروع الانفصالي في الشمال بقيادة الحركة الوطنية لتحرير أزواد. هذا التداخل بين المسارين، التكفيري والقومي، أعاد تشكيل المشهد الميداني والسياسي، وطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الدولة المالية ووحدتها الترابية.
على المستوى الأمني، كانت مالي منذ سنوات ساحة مفتوحة لنشاط جماعات مرتبطة بـتنظيم القاعدة وتنظيم داعش، وقد تركزت عمليات هذه الجماعات في الوسط والشمال مستفيدة من هشاشة الدولة وضعف بنيتها العسكرية. غير أن التطورات الأخيرة كشفت عن تحول مهم يتمثل في ارتفاع مستوى التنسيق، أو على الأقل التوازي العملياتي، بين هذه الجماعات وبعض الفصائل الطوارقية المسلحة. هذا التلاقي، حتى وإن كان ظرفيا، أتاح تنفيذ هجمات متزامنة وواسعة النطاق طالت قواعد عسكرية ومدنا استراتيجية، وأضعف قدرة الجيش على الرد المتماسك.
في هذا السياق، برزت سيطرة فصائل أزوادية على مدن رئيسية في الشمال، وعلى رأسها كيدال، كحدث مفصلي يعيد إلى الأذهان سيناريو سنة 2012 عندما أُعلن قيام دولة "أزواد". لكن الفارق اليوم أن هذا التحرك يأتي في بيئة أكثر تعقيدا يتمثل في انسحاب القوات الفرنسية وتراجع الدور الغربي وتنامي حضور فاعلين جدد.
وللإشارة فإن كيدال تمثل رمزا سياسيا وعسكريا للطوارق الذين حرمتهم فرنسا خلال مرحلة استقلال المستعمرات من إعادة تشكيل مملكتهم التاريخية وقسمت شعبهم وأراضيهم على كيانات حديثة أنشأتها في منطقة الصحراء الكبرى ومحيطها. وبالتالي فإن السيطرة على كيدال في انتظار السيطرة على تمبكتو تمنح هذه الحركات شرعية ميدانية وتفاوضية في آن واحد، وتجعلها تمضي قدما في تحقيق مطالبها إما بالإستقلال أو بالحكم الذاتي.
لقد وصلت السلطات الانتقالية في باماكو إلى الحكم إثر انقلابي 2020 و2021، وحاولت تقديم نفسها كحامل لمشروع "استعادة السيادة"، خاصة عبر إنهاء الوجود العسكري الفرنسي المتمثل في عملية برخان، والتوجه نحو شراكات بديلة أبرزها مع مجموعة فاغنر. غير أن هذه المقاربة، التي لاقت دعما شعبيا في بداياتها، تواجه اليوم اختبارا صعبا مع اتساع رقعة الهجمات وفقدان السيطرة على مناطق حساسة.
وتمكن المفارقة في أن خطاب السيادة لم يُترجم إلى استقرار فعلي على الأرض، بل إن بعض المؤشرات توحي بعكس ذلك تماما. فانسحاب القوى الدولية دون بناء قدرة محلية كافية خلق فراغا أمنيا استغلته مختلف الأطراف المسلحة، بما فيها الحركات الطوارقية القومية الانفصالية. كما أن الاعتماد على فاعلين غير تقليديين مثل فاغنر أثار جدلا واسعا، خاصة في ظل تقارير عن انتهاكات قد تؤدي إلى تعميق الهوة بين الدولة وبعض المكونات المحلية، خصوصا في الشمال.
سياسيا، تبدو مالي في حالة جمود انتقالي، حيث لم تنجح السلطات في تقديم خريطة طريق واضحة للعودة إلى الحكم المدني. هذا الغموض السياسي يتزامن مع توتر في العلاقات مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، التي سبق أن فرضت عقوبات على باماكو للضغط من أجل تسريع المسار الانتقالي. ورغم تخفيف هذه الضغوط نسبيا، فإن غياب أفق سياسي مستقر يضعف الجبهة الداخلية ويعقد إدارة الأزمة الأمنية.
إقليميا، لا يمكن فصل ما يحدث في مالي عن التحولات في دول الجوار، خاصة بوركينا فاسو والنيجر، حيث برز محور ثلاثي تقوده أنظمة عسكرية تتبنى خطابا سياديا مشتركا. هذا التقارب قد يعزز التنسيق الأمني، لكنه في الوقت نفسه يعمق القطيعة مع المنظومات الإقليمية التقليدية، ويزيد من عزلة هذه الدول دوليا، وهو ما قد ينعكس سلبا على قدرتها على مواجهة التحديات المشتركة.
ولعل عودة الحركات الأزوادية إلى الواجهة هي خير دليل على عدم نجاح المقاربات السابقة في معالجة جذور الأزمة، وعلى رأسها مسألة التهميش التاريخي لشمال مالي. فـاتفاق الجزائر 2015، الذي كان يفترض أن يشكل إطارا لتسوية دائمة، أثبت فشله، وهو ما أبقى جذوة التمرد قائمة تحت الرماد. ومع تآكل الثقة بين الأطراف، بدا أن خيار السلاح عاد ليُطرح كبديل عن المسار السياسي.
اقتصاديا واجتماعيا، يزيد هذا التصعيد من هشاشة الأوضاع. فاستمرار القتال في مناطق زراعية ورعوية يهدد سبل عيش ملايين السكان، كما أن تراجع الاستثمارات وارتفاع الإنفاق العسكري يضغطان على مالية الدولة. وفي ظل هذه الظروف، تتآكل القاعدة الاجتماعية الداعمة للسلطة، خاصة إذا لم تُترجم الوعود بتحسين الأمن إلى نتائج ملموسة.
وبالتالي لم تعد الأزمة في مالي مجرد حرب ضد الإرهاب، بل تحولت إلى أزمة سيادة ووحدة دولة، تتداخل فيها مشاريع متعارضة هي أساسا مشروع الدولة المركزية ومشروع الجماعات التكفيرية، ومشروع أزواد القومي. هذا التعدد في الفاعلين والأهداف يجعل من الصعب تصور حل سريع أو أحادي للأزمة الحالية في مالي.
وما يجري اليوم قد يكون لحظة مفصلية تعيد رسم خريطة الساحل بأكمله. فإذا استمرت الحركات الأزوادية في توسيع نفوذها، بالتوازي مع تصاعد النشاط التكفيري، فإن سيناريو التقسيم الفعلي يصبح أكثر واقعية، حتى دون إعلان رسمي. وفي المقابل، فإن أي فرصة لاستعادة الاستقرار تمر حتما عبر مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للحل السياسي، وتدمج البعد التنموي مع الأمني، وتفتح قنوات تفاوض جدية مع الفاعلين المحليين.
إن مالي اليوم تقف على حافة إعادة تعريف لذاتها، إما أنها دولة قادرة على استيعاب تنوعها وإعادة بناء عقدها الوطني، أو أنها ساحة صراع مفتوح تتقاسمها القوى المسلحة. والأحداث الأخيرة تشير بوضوح إلى أن كفة الاحتمال الثاني تزداد ثقلا ما لم يحدث تحول جذري في إدارة الأزمة.

المشاركة في هذا المقال