لتدفع بالنظام الدولي نحو اختبار هو الأكثر شراسة منذ عقود. لم تعد الحرب التي اندلعت في فيفري 2026 مجرد مواجهة عسكرية محصورة في الجغرافيا الإيرانية ، فالعدوان الذي بداه ترامب على ايران بتحالف إسرائيلي سرعان ما تحول إلى "زلزال جيوسياسي" تمددت ارتداداته لتضرب استقرار الأسواق في العالم برمته ويصير حديث طاولات الأمن القومي في واشنطن وبرلين وغيرها من عواصم العالم.
يأتي اجتماع الأزمة الذي ترأسه الرئيس دونالد ترامب امس ليعكس حالة من "الجمود المستفز". وذلك في الوقت الذي تحدثت فيه تقارير عن مساع لطهران لفتح ثغرة في جدار الحصار البحري عبر مقايضة "حرية الملاحة" بتأجيل "الملف النووي"، في حين تبدو إدارة ترامب غير مستعدة لتقديم تنازلات لا ترضي مصالحها. فالثقة المتزايدة في واشنطن بجدوى "الحصار البحري" تشير إلى استراتيجية "الخنق البطيء"، حيث تراهن الإدارة الأمريكية على أن الوقت يعمل لصالحها، وأن الشروط الإيرانية الحالية لا تزال دون "الخطوط الحمراء" المطلوبة. هذا التعنت الدبلوماسي، الذي أدى لفشل جولة باكستان، يضع المنطقة أمام سيناريوهين لا ثالث لهما: إما انفجار عسكري أوسع، أو رضوخ قوى الصراع تحت وطأة الانهيار الاقتصادي العالمي.
في المقابل، تظهر التصريحات الألمانية واليابانية عمق المأزق الذي يعيشه حلفاء واشنطن. برلين، تتحدث اليوم بلسان "الردع النووي" وضرورة وجود "رادع موثوق"، في تحول جذري .
أما اليابان، فتمثل الحالة الأقسى لتبعات إغلاق مضيق هرمز، حيث انقطعت 90 بالمئة من إمداداتها النفطية، مما دفعها لارتماء اضطراري في أحضان النفط الأمريكي. هذا الاندفاع لم يكن بلا ثمن، إذ تسبب في "جنون" أسعار العبور في قناة بنما، حيث وصلت تكلفة مرور ناقلة واحدة إلى رقم قياسي بلغ 4 ملايين دولار. إنها ضريبة "الأمن الطاقي" التي بدأت القوى الآسيوية تدفعها نقدا من ميزانياتها.
ولا تقتصر الأزمة على براميل النفط التي تجاوزت حاجز الـ 108 دولارات، بل تمتد لتطال "نمط الحياة" العالمي. فتحذيرات وزير الصناعة الإسباني من ارتفاع أسعار تذاكر الطيران، واستدعاء رئيس الوزراء البريطاني لبنك إنغلترا في اجتماع "كوبا" للطوارئ، تؤكد أننا أمام "تضخم " طويل الأمد. فالعالم اليوم يواجه نقصا ليس في الوقود فحسب، بل في الأسمدة والغذاء، مما يضع الأمن الغذائي العالمي على المحك، تماما كما حذر وزير الخارجية الألماني.
بينما تواصل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التمسك بسلاح العقوبات على ايران، يبقى التساؤل الكبير: إلى أي مدى يمكن للعالم أن يتحمل هذا الاستنزاف؟ وكيف يمكن ترميم "النظام الدولي" الذي يتداعى تحت وطأة الانقسام وتقلبات الأسواق وصراع الإرادات في مياه الخليج.
ولا يمكن فصل التصعيد الميداني والسياسي في لبنان عن الصراع الاستراتيجي الكلي، فبينما تسعى الولايات المتحدة و"إسرائيل" لفرض واقع جيوسياسي جديد تحت مسمى "الشرق الأوسط الجديد" -وهو مشروع يهدف إلى تصفية قوى المقاومة وإعادة صياغة المنطقة وفق الرؤية الصهيونية- يبرز الجنوب اللبناني كحائط صد أساسي لإجهاض هذا الطموح. إن رفض حزب الله ومعه شريحة هامة من اللبنانيين للمفاوضات المباشرة مع كيان الاحتلال ليس مجرد قرار إجرائي، بل هو تمسك بموقع لبنان في وجه مشاريع الهيمنة. فصمود حزب الله اللبناني يمثل أداة استراتيجية لتعطيل خارطة الطريق الأمريكية-الإسرائيلية. وبذلك، تصبح "التسوية" في لبنان مرتبطة عضويا بمخرجات المواجهة الكبرى مع إيران، فأي تراجع في بيروت يُعد انتصارا لمشروع "الشرق الأوسط الجديد"، بينما يمثل تمسك المقاومة بـ"نقاطها الخمس" فشلا ذريعا لهذا المخطط الذي يسعى لاستبدال سيادة الدول بالإذعان للإملاءات الخارجية.
الأزمة بالأرقام
108.36 دولار سعر برميل خام برنت نتيجة تعثر المفاوضات
4 ملايين دولار تكلفة عبور قياسية لناقلة نفط واحدة في قناة بنما
90 بالمئة نسبة انقطاع النفط عن اليابان بسبب حصار هرمز
2509 شهيد و1.6 مليون نازح ضحايا العدوان على لبنان منذ مارس 2026
الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2900 مليار دولار لسنة 2025