Print this page

التعليم في تونس: بين خطاب الإصلاح وواقع الممارسة قراءة في ندوة فكرية وتقديم كتاب - مصطفى الشيخ الزوالي

يومي 16 و17 أفريل 2026، احتضن فضاء سينما

"الريو" بالعاصمة الندوة الفكرية السنوية لـ"جمعية آفاق العامل التونسي للذاكرة والمستقبل" تحت عنوان "إشكاليات المنظومة التربوية في تونس". جاءت الندوة في سياق جدل متجدد حول المدرسة والجامعة، بين وفرة التشخيصات وضبابية البدائل، مما يكشف الحاجة لمساءلة أسس التفكير في التغيير التربوي. وتوزّعت أشغال الندوة على ثلاث جلسات تنتقل من التشخيص إلى الاستشراف: ففي الأولى، قدّم مصطفى الشيخ الزوالي "الإصلاح التربوي بين الوهم والحقيقة"، تلتها مداخلة عمران البخاري "تشخيص الإشكاليات الراهنة". أما الثانية فانتقلت إلى أزمة التعليم العالي (نزار بن صالح) والعنف المدرسي (أحمد المانسي). وفي اليوم الثاني، خُصّصت الثالثة للاستشراف: "مقترحات حول البدائل"(عبد الباسط بن حسن)، "المؤسسة التربوية ومواكبة العصر"(هدى الكافي)، ثم سؤال منصف الخميري: "أي رؤية منظومية لإصلاحات المستقبل؟".

المداخلة الافتتاحية: من أزمة النتائج إلى نقد المفهوم
ارتبطت المداخلة بكتاب قيد الإصدار بعنوان: "التعليم في تونس بين الأوهام والحقائق"، وجاءت لتقديم مقاربة تغيّر زاوية النظر: من "لماذا فشلت الإصلاحات؟" إلى "كيف نفكر في الإصلاح أصلًا؟". فالأزمة ليست فقط في النتائج، بل في تمثّلات الإصلاح نفسها، حيث تحوّلت بعض الأفكار إلى بداهات غير مفحوصة (مثل: قابليّة النماذج الدولية للتصدير المباشر) تُعيد إنتاج الاختلالات.وفي هذا السياق، تتأكد مشروعية الحديث عن «أوهام الإصلاح» حين نلاحظ أن هذا المفهوم يحمل شحنة أيديولوجية تحدّ من قدرته التفسيرية. فتقرير اليونسكو حول مستقبل التعليم في أفق 2050 (10 نوفمبر 2021) - وهو وثيقة مرجعية صادرة عن أبرز هيئة دولية معنية بالتربية- لا يرد فيه لفظ «الإصلاح» ولو مرة واحدة، بل يقر في ملخصه (ص4) بأن التعليم «أخفق في الارتقاء إلى مستوى آمالنا..ولا يفي بما يُنتظر منه". وهذا إقرار بحدود المقاربات الرهينة بمنطق «الإصلاح» الكلاسيكي، ويفتح المجال لإعادة مساءلة المفهوم بدل الاكتفاء به كمسلمة.
التدقيق المفاهيمي: بين الوهم والحلم واليوتوبيا
أثار توظيف مفهوم "الوهم" نقاشًا داخل الندوة، حيث دعا بعض المتدخلين لاستبداله "بالأحلام" أو "اليوتوبيا"، وامتد النقاش إلى الحضور الذين تساءلوا عن الجدوى من التخلي عن لغة الأمل. ولا يعكس هذا التباين مجرد اختلاف لغوي، بل يكشف عن تباين مفاهيمي بين مقاربتين: مقاربة نقدية تسعى إلى تفكيك المسلّمات، وأخرى تميل إلى الحفاظ على أفق تعبوي قائم على التطلّع. فاليوتوبيا تظلّ أداة لتوسيع الممكن، والأحلام تمثّل أفقًا مشروعًا، غير أنهما تتحوّلان إلى "أوهام" حين تنفصلان عن تحليل الواقع أو تفقدان قابليتهما للترجمة إلى أفق فعل مشروط بإمكاناته؛ أي بوصفها أفقًا يُشتغل عليه ميدانيًا ويُجسَّم تدريجيًا، كما يبيّن كتاب «نحو يوتوبيا مُتدرَّجة: قرنٌ من إصلاح المدرسة العمومية» (A Century of Public SchoolReform: Tinkering toward Utopia). ومن ثمّ، فإن هذا النقاش، رغم طابعه الجزئي، يكشف عن سؤال أعمق يتعلق بشروط إمكان الإصلاح ذاته، وهو ما يعالجه الكتاب من خلال ربط النقاش المفاهيمي بالبنيات التي تعيد إنتاج خطاب الإصلاح تاريخيًا ومؤسساتيًا.
من "التميز التونسي" إلى "عقم الجدل": تفكيك خطاب الإصلاح
إذا كان النقاش المفاهيمي السابق قد كشف تباينًا في تمثّل الإصلاح، فإن الكتاب يقترح نقل هذا التباين من مستوى المفاهيم إلى مستوى الخطاب ذاته. فالإصلاح، في التجربة التونسية، لا يظهر فقط كسياسة عمومية تُقاس بنتائجها، بل كسردية متكرّرة تُنتج تمثّلًا للدولة باعتبارها في حالة تحديث دائم.
في هذا الأفق، يتحوّل الإصلاح إلى عنصر من عناصر تعريف الدولة لذاتها. وكما تُبرز Beatrice Hibou، فإن هذا الخطاب يرسّخ ما يشبه "أسطورة الإصلاح". إذ يُقدَّم ضمن معجم يربط بين الحداثة والعقلانية والاستقرار، ويغذّي ما تسمّيه بـ le primismetunisien("التميّز التونسي"). وبهذا المعنى، يتحوّل الإصلاح إلى علامة رمزية على فرادة المسار الوطني في تونس، حتى في غياب تحوّلات بنيوية عميقة. كما يصبح أداة لإعادة إنتاج الشرعية، أكثر من كونه إطارًا للتحوّل الفعلي، وهو ما يتقاطع مع أطروحة الكتاب التي تعتبره أفقًا خطابيًا أكثر منه مسارًا تحويليًا.
ولا يقتصر هذا المنطق على الخطاب، بل يمتدّ إلى الممارسات الإدارية اليومية، حيث تُنتج الإجراءات البيروقراطية المتراكمة نشاطًا ظاهريًا يستهلك الجهد دون أثر بنيوي. وفي هذا السياق، تتكرّر النقاشات وتُعاد صياغة الحلول نفسها دون مساس بالبنية العميقة، وهو ما يفسّر ما يسمّيه الكتاب"عقم الجدل". وهكذا، فإن ما يبدو حركية إصلاحية متواصلة يخفي نمطًا من التحديث السطحي القائمعلى تعديلات تقنية متفرقة، غالبًا ما تُبرَّر بمعايير خارجية (كمؤشرات الأداء الدولية وتوصيات الهيئات المانحة)، دون استناد إلى تشخيص فعلي لحاجات المنظومة.
وتشير هيبو إلى أن هذا المنطق لم ينقطع بعد 2011، بل استمرّ بصيغ متجددة. وهو ما يفسّر تواصل الفجوة بين الوعود والنتائج، وهي إحدى "الحقائق" التي يتوقف عندها الكتاب مطوّلًا، موثّقًا إياها بدراسات حالة ومعطيات إحصائية.
من نقد الإصلاح إلى بناء الممارسة التربوية
هذا النقد لا ينتهي إلى عدمية، بل يفتح أفقًا للتأسيس. فالكتاب، كما بيّنت المداخلة الافتتاحية، يقترح نقل مركز الإصلاح من الخطاب إلى الممارسة: من انتظار تغيير شامل من أعلى إلى مسار تراكمي ينطلقمن داخل الفعل التربوي. ويتأسس هذا التحول على مراجعة أعمق لأنماط التفكير في سياق تعيد فيه الثورة الرقمية تشكيل المعرفة والفاعلين. في هذا الإطار، لا يُفهم "الفعل التراكمي" كحلّ عملي فحسب، بل كتحوّل في منطق الإصلاح: من ممارسة تربوية معزولة إلى ممارسة تعاونية تقوم على التضامن والعمل الجماعي داخل الفعل التعليمي، انسجامًا مع ما تؤكده تقارير اليونسكو من ضرورة اعتبار المدرّسين فاعلين في إنتاج المعرفة لا مجرد منفذين لها.
يعيد هذا المسار تعريف مسؤولية الدولة دون إلغائها: فالمدرسة العمومية تظل ركيزة أساسية، والدولة ضامنًا لعدالتها واستمراريتها. ويكون تجاوز «عقم الجدل» عبر إعادة توجيه التفكير نحو الفعل، من الخطاب إلى الممارسة، ومن الحلول الجاهزة إلى مقاربات سياقية. ويدعو الكتاب في هذا السياق إلى نبذ وهم الإصلاح الشامل، والانخراط في أفق عملي يقوم على التمكين والتشارك والتراكم، حيث يُفهم الإصلاح كسيرورة تُبنى من الداخل.
التعريف بالكتاب: إعادة بناء زاوية النظر
في امتداد هذا النقاش، يأتي كتاب "التعليم في تونس بين الأوهام والحقائق"ليسهم في إعادة تأطير زاوية النظر إلى المدرسة التونسية، متجاوزًا ثنائية الاتهام والدفاع نحو مساءلة أعمق لطرائق التفكير في المنظومة التربوية. وينطلق من سؤال مؤسّس: هل تكمن الأزمة في المدرسة ذاتها، أم في الطريقة التي نفكّر بها فيها ونبني بها تمثّلاتنا عنها؟
تنتظم مقالات الكتاب ضمن مسار متدرّج يجمع بين التحليل النظري والمعالجة التطبيقية. إذ يفتتح بمقالين جديدين كُتبا خصيصًا له: الأول حول "جدل الإصلاح التربوي في تونس"، ويحلّل هيمنة المفاهيم الفضفاضة على النقاش العام، خاصة بعد 2011؛ والثاني "المدرسة التونسية: من الإرث السلطوي إلى الإصلاح المعلّق"، ويقدّم قراءة تاريخية-سوسيولوجية لتحوّلات السلطة التربوية.
ويضمّ الكتاب في قسمه الأوسط مجموعة من المقالات المنشورة سابقًا، أُعيد تنظيمها ضمن رؤية موحّدة، تتناول الأطر المؤسسية، وإشكالية التعليم النموذجي، وتحليل نتائج الامتحانات الوطنية (مع دراسة حالة لجهة القيروان)، إلى جانب قضايا التوجيه الجامعي وسلك المستشارين في الإعلام والتوجيه المدرسي والجامعي.ويُختتم بمقال تركيبي مستلّ من أطروحة الدكتوراه، يفتح أفقًا للتجديد البيداغوجي والمؤسساتي، مع ملاحق توثيقية تُضيء التباين بين الخطاب الإصلاحي والممارسة الفعلية.
وبهذا البناء، لا يقدّم الكتاب تشخيصًا إضافيًا لأزمة استُهلك النقاش حولها، بقدر ما يعيد توجيه النظر نحو شروط الفعل التربوي ذاته. إذ يربط بين الفهم وإمكان التدخّل، داعيًا إلى تجاوز «أوهام الإصلاح» عبر الانتقال من الخطاب إلى الممارسة، ومن الحلول الجاهزة إلى مسارات تقوم على التراكم والتجريب من داخل المنظومة.
-"غياب كل إصلاح جدير بهذا الاسم وغياب رؤية على المدى البعيد
- من الأمور التي تفسر لماذا لم نستطع استعمال أكثر من 10بالمائة من قدراتنا الذهنية"المهدي المنجرة
بقلم: مصطفى الشيخ الزوالي

المشاركة في هذا المقال