بحدة المواجهة وحدها،وإنما بقدرة الفاعلين على ضبط مسارها قبل الانزلاق إلى الهاوية. هكذا بدت أزمة واشنطن–طهران وهيتقترب من مواجهة جديدة مفتوحة بعد تعثر مسارات التفاوض التي جرت في باكستان وفرض حصار بحري أمريكي على الموانئ الإيرانية. وفيهذا السياق،برزت الصين كعنصر فاعل أعاد تشكيل إيقاع الأزمة من خارج مركزها المباشر.
جاء بيان وزارة الخارجية الصينية الصادر في 14 أبريل 2026 ليعكس هذا التوجه،إذ دعا إلى وقف فوري للتصعيد،وحذّر من أي تهديد لحرية وسلامة الملاحة في مضيق هرمز،مع تأكيد أن هذا الممر يمثل مصلحة دولية ترتبط باستقرار الاقتصاد العالمي. أهمية البيان لاتكمن فقط في مضمونه الدبلوماسي،بل في توقيته أيضاً، إذ صدر في لحظة بلغت فيها الأزمة ذروتها بما يعكس نمطاً صينياً يقوم على التدخل عند نقطة الانفجار وإعادة ضبط الإيقاع بدل انتظار تسوية مكتملة.
إدارة حلفيّة للأزمات
تشير تحليلات مراكز بحث مثل CSIS وRAND Corporation إلى أن الصين طورت نمطاً خاصاً في إدارة الأزمات يقوم على التأثير غير المباشر من دون حضور تفاوضي علني. هذا النمط يمنح بكين قدرة على توجيه مسارات التهدئة من خلف المشهد السياسي ،مع تجنب الانخراط في التزامات مباشرة.
في هذه الأزمة ،ظهرت باكستان كمسار تنفيذي للوساطة، بينما احتفظت الصين بدور سياسي ضاغط من الخلف. هذا التوزيع للأدوار يعكس تحولاً في أدوات الدبلوماسية الصينية نحو إدارة النفوذ عبر قنوات متعددة،خصوصاً في ظل انشغال قوى أخرى مثل روسيا بملفات استراتيجية موازية، ما وسّع هامش الحركة أمام بكين.
تهدئة بلا بنية تسوية
التهدئة المؤقتة التي أعقبت38 يوما من الحرب والتصعيد حملت طابعاً هشاً منذ بدايتها. التقديرات القريبة من الدوائر الصينية وصفت الوضع بغياب الأسس الصلبة لأي اتفاق مستقر حيث أن القضاي االجوهرية بقيت خارج المعالجة ،وفي مقدمتها الملف النووي الإيراني وأمن الملاحة في الخليج .وتشير تحليلات معهد بروكينغز إلى أن ما تحقق في هذا السياق يندرج ضمن إدارة النزاع، أي احتواء التوتر من دون معالجة جذوره البنيوية. هذا النمط يجعل التهدئة عرضة للاهتزاز عند أي تغير في ميزان القوى أو في حسابات الأطراف.
الاقتصاد كقيد بنيوي على القرار
تتحرك الصين داخل شبكة مصالح اقتصادية معقدة حيث أن حجم التبادل التجاري مع الولايات المتحدة يقترب من 600 مليار دولار سنوياً، وهو ما يجعل أي تصعيد شامل خياراً مرتفع الكلفة على الطرفين وعلى النظام الاقتصادي الدولي ككل.
في الوقت نفسه، تعتمد بكين على تدفقات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط ،بما في ذلك النفط الإيراني الذي يصل عبر مسارات غير مباشرة وآليات تسعير خارج النظام المالي التقليدي. هذا الارتباط يجعل مضيق هرمز نقطة مركزية في معادلة الأمن الاقتصادي الصيني .وخلصت مجموعة الأزمات الدولية (ICG) إلى أن الهدف الصيني يتمثل في الحفاظ على تدفق الطاقة ضمن بيئة مستقرة نسبياً حتى حين يكون هذا الاستقرار هشاً ومؤقتاً.
توازن متعدد الاتجاهات
تتعامل الصين مع طرفين متناقضين في الوقت نفسه: الولايات المتحدة كشريك اقتصادي رئيسي، وإيران كمصدر طاقي مهم. هذا التداخل يفرض نمطاً سياسياً يقوم على إدارة التوازنات بدل حسمها .تحليلات مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (CEIP) ترى أن بكين تعمل على إطالة أمد التوازن الإقليمي بحيث لا تتجه المنطقة نحو حسم شامل يعيد تشكيل موازين القوى بصورة تتجاوز حساباتها الاستراتيجية.
ضبط الإيقاع بدل صناعة الحسم
في هذه الأزمة، يظهر الدور الصيني كعنصر يضبط إيقاع التوتر أكثر مما يعيد صياغته حيث تتحرك بكين داخل المساحة الفاصلة بين التصعيد والتهدئة، وتستخدم أدوات اقتصادية ودبلوماسية متداخلة للحفاظ على مستوى من الاستقرار القابل للإدارة. وهذا التحول ،كما تشير إليه مجلة Foreign Affairs، يعكس نمطاً جديداً في الوساطة الدولية يقوم على إدارة التواصل بين الخصوم بوصفه هدفاً قائماً بذاته وليس مجرد مرحلة انتقال نحو تسوية نهائية.
خلاصة
تكشف أزمة واشنطن –طهران عن موقع صيني متقدم في هندسة التوازنات الدولية حيث تتحرك بكين داخل شبكة مصالح اقتصادية وأمنية مترابطة وتستخدم هذا التشابك لضبط حدود الأزمة ومنع انفجارها. وفي خلف هذا المشهد،يتضح أن الصين لا تتعامل مع الأزمات بوصفها ملفات يجب حسمها وإنّ ما بوصفها توازنات يجب إبقاؤها تحت السيطرة.
بقلم: حسان بن يونس