Print this page

لا بأس": الكذبة اليومية التي تُبقي الداخل مشتعلًا في الصمت

في أحد مقاهي تونس العاصمة، كنت أراقبه

دون قصد مني، كأن المشهد يفرض نفسه.. دخل رجل في الستين من عمره تقريبًا، بحركية مفاجئة في المكان، وجلس أمامي مباشرة. كان يتكلم في الهاتف بصوت مرتفع قليلًا، ثم خفّ صوته تدريجيًا حين استقر على طاولته.

اعتذر في المكالمة بلطف واضح، وبخجلٍ أثقل من الكلمات، وتكررت في حديثه إشارات إلى الدين والتأخير، وكأنه يحاول أن يضع ثقلاً كبيرًا داخل جملة صغيرة لا تُتعب من يسمعها.. أغلق الهاتف، ثم أخرج ملفًا طبيًا ووضعه على الطاولة دون أن يفتحه.. بعد دقائق رنّ هاتفه من جديد، تغيّر صوته هذه المرة، صار أهدأ وأبطأ، فمت أنّه يتحدث عن زوجته، عن التحاليل، وعن بداية علاج كيميائي.. ثم وضع هاتفه، وأسند رأسه إلى يده اليسرى، كأنه يحاول أن يمنع التعب من أن يظهر كاملًا.. لم يدم صمته حتى رن هاتفه مرة أخرى. هذه المرة كان الصوت على الطرف الآخر من قريته، فخفّت لهجته أكثر وتغيّرت، فصارت الجمل أقصر وأبسط. وكان يقول دون توقف: "لا بأس… لا بأس… في خير ونعمة". كرّرها بنبرة ثابتة، حتى أنّي بدأتُ أصدق للحظة أن كل شيء فعلاً بخير، وأن العبارة وحدها تكفي لطمأنة ما لا نراه، لكن جسده لم يساير كلماته. انحنى قليلًا، وتداعت كتفاه نحو الطاولة، كأن التعب وجد طريقه رغم الجملة، وبقيت يداه قريبتين من الهاتف، دون أن يرفعه مجددًا، وكأن الصمت هذه المرة أثقل من أي مكالمة.

لطالما استوقفتني عبارة "لا بأس" ، جملة قصيرة تعبر الحياة، بينما تحمل في عمقها طبقات من المعنى لا تظهر مباشرة في السطح. إذ تنفتح هذه العبارة على أكثر مما تقوله وتظهر داخل حياتنا اليومية كصيغة جاهزة للتعامل مع التعب، ومع الضغط، ومع الأسئلة التي لا تجد وقتًا كافيًا للتفصيل والشرح.. هذه العبارة، التي تجمع ردودنا كتونسيين، كأنها تتحول إلى وسيلة لتنظيم الإحساس قبل أن يصبح كلامًا، وتمنح التجربة صيغة أخفّ ممّا نحمل على أعتاقنا، صيغة يمكن احتمالها.. حتى أنّ هذا الاستخدام يمتدّ عبر العمل والبيت والشارع، كما يرافق الحوارات الصغيرة والكبيرة. ويتسلل إلى كل تفاصيل الحياة اليومية، ليمنح الواقع لغة مختصرة تحافظ فقط على التوازن الظاهر.

كأنّ "لاباس" تشتغل هنا كأداة لتخفيف الانفعال، لتقترب وظيفتها من التهدئة أكثر من الوصف، ومن التنظيم أكثر من الكشف، فتتشكل علاقة مختلفة بين ما نعيشه وما نقوله..

تتوسع داخل المجتمع شبكة من العبارات القصيرة التي تؤدي هذا الدور نفسه. "مريقل" ، "الحمد لله"، "أمورنا ستة زيت"، "خمسة على خمسة" طبعا دائما تقال بالفرنسية، وغيرها من العبارات، ولعلّ أشهرها "لاباس" ..كلها صيغ تختصر مساحات واسعة من التجربة اليومية، وتفتح مجالًا لحياة تستمر داخل حدود من التلطيف اللغوي لا غير.. لا داخل مساحة التعبير الكامل. ومع الوقت، تتحول إلى شكل من أشكال العادة الاجتماعية التي تعيد تشكيل ما يُقال وما لا يُقال... وكأنّ التفاعل اليومي يأخذ تدريجيًا شكل قاعدة غير مكتوبة، بمعنى يقلّ التفصيل، ويزداد الاختصار، فلا يعود السؤال عن “"كيف حالك؟" مدخلًا للسرد، انما يصبح مدخلًا لإجابة جاهزة تُغلق الباب بهدوء ودون شكوى.. فالحال في أغلبها واحدة..

لكن ما يحدث في العمق ربما يكون أكثر تعقيدًا. فهذه العبارات، رغم خفتها الظاهرة، تحمل وظيفة مزدوجة، حماية الذات من الانكشاف من جهة، وضبط ما يمكن قوله اجتماعيًا من جهة أخرى. وهنا يتحول التلطيف من راحة لغوية، من تظاهر بهذا "اللاباس" إلى نوع من التنظيم القسري للإحساس.

في مجتمعنا، تراكمت هذه الأقنعة الصغيرة لتصنع مناخًا عامًا من الطمأنينة الظاهرة، حيث يبدو كل شيء "مريقل" وبخير، بينما تتراجع القدرة الجماعية على تسمية الألم أو الاعتراف به، ليتحول الصمت من حالة فردية إلى بنية جماعية مشتركة، كي يصبح الإنكار اللغوي شكلاً من أشكال التعايش الاجتماعي. ومع الوقت، لا يعود الكبت مجرد تجربة داخلية، إنما نظام غير مرئي يعيد توزيع المعاناة بحيث تبقى موجودة، بلا صوت. كأننا نقول "لا بأس" بصوتٍ ثابت ومستقر، بينما دواخلنا تنهار بصمتٍ لا يسمعه أحد، كأن الإنسان يتعلم أن يعيش نصف حياة كي لا يفضح كل ما فيه.

 

المشاركة في هذا المقال