حكومة بنيامين نتنياهو لترميم صورة الردع بعد اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، في ظل انتقادات داخلية متزايدة وشكوك حول نتائج الحرب.
يرتكب الاحتلال الإسرائيلي مجازر واسعة في لبنان، أسفرت عن مئات الشهداء والجرحى، فيما لا يزال عدد من الضحايا عالقين تحت الأنقاض. هذا التصعيد المكثف، الذي شمل قصف نحو مئة هدف في مدن لبنانية خلال دقائق معدودة، يبدو وكأنه محاولة إسرائيلية متعمدة لنسف الهدنة أو الدفع نحو انهيارها.
في خلفية هذا التصعيد تقف حسابات سياسية داخلية إسرائيلية. فحكومة بنيامين نتنياهو تواجه انتقادات حادة من المعارضة بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران من دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها إسرائيل للحرب. كما يزداد انعدام الثقة لدى قطاعات واسعة من الجمهور الإسرائيلي تجاه قيادة نتنياهو، خصوصًا إذا كان الاتفاق يشمل أيضًا الجبهة اللبنانية، ما يعني أنه، بالرغم من الحرب والدمار، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق الهدف الأساسي الذي أعلنت عنه منذ البداية، وهو نزع سلاح حزب الله أو القضاء عليه.
في هذا السياق، لا يمكن فصل التصعيد في لبنان عن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، الذي أنهى جولة القتال من دون تحقيق إسرائيل لأهدافها المعلنة. فقد بدا الاتفاق، في نظر خصوم نتنياهو السياسيين، وكأنه تراجع اضطراري أكثر منه إنجازاً استراتيجياً. لذلك قد يشكّل التصعيد على الجبهة اللبنانية محاولة لتعويض هذا الإخفاق وإعادة ترميم صورة القوة الإسرائيلية أمام الداخل، عبر إظهار القدرة على استخدام القوة العسكرية واستعادة صورة الردع، رغم الشكوك المتزايدة في إسرائيل حول نتائج الحرب.
هذه المعطيات تضغط على نتنياهو في ظل اقتراب سنة انتخابية، حيث يسعى إلى ترميم صورة الردع الإسرائيلي وتسويق إنجازات عسكرية أمام جمهوره. غير أن الوقائع الميدانية تشير إلى أن حزب الله، رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت به، ما زال يمتلك قدرات عسكرية قادرة على إزعاج إسرائيل. وخلال الشهر الماضي تحديداً، نجح الحزب في إبقاء الجبهة الشمالية مفتوحة، ما شكّل جبهة إضافية ضاغطة على إسرائيل، خلافاً للتقديرات الإسرائيلية التي افترضت أنه بات ضعيفاً ومردوعاً.
ضمن هذا السياق، تبدو الغارات الإسرائيلية الواسعة على لبنان أقرب إلى فعل انتقامي جماعي ورسالة ردع نفسية. فهي أكثر منها عملية عسكرية ذات أهداف تكتيكية محددة. فالقصف المكثف والسريع لمئات الأهداف يهدف إلى بث الرعب في المجتمع اللبناني، وإحداث صدمة نفسية واسعة تشل الحياة اليومية، إضافة إلى محاولة تكريس حالة من الخوف والانقسام الداخلي.
لكن مثل هذه العمليات، رغم شدتها، قد تعكس أيضاً مأزقاً استراتيجياً لدى القيادة الإسرائيلية، يتمثل في اللجوء إلى القوة الغاشمة والمفرطة لتعويض الفجوة بين الأهداف المعلنة للحرب والنتائج الفعلية على الأرض. وقد ينجح القصف في إلحاق دمار واسع وإثارة الرعب، لكنه لا يغيّر الحقيقة الأساسية: أن ما تمارسه إسرائيل هو عدوان منظم وإرهاب دولة، وأن القوة العسكرية وحدها لم تنجح، حتى الآن، في تحقيق الأهداف السياسية التي أعلنتها لهذه الحرب.
بقلم: مصطفى إبراهيم كاتب وحقوقي فلسطيني