Print this page

الافتراس الناعم في الحقل الثقافي: حين يتحوّل القرب إلى آلية سلطة

لطالما يشعّب الحديث عن مجتمع الثقافة في

تونس وينفتح على بنية معقّدة للغاية أين تتشابك فيها الرموز بالمصالح، ويتقاطع فيها الإبداع مع شبكات النفوذ، لتُعاد داخلها صياغة الأدوار خارج كل تعريف... إذ يتحرك الفاعل الثقافي داخل فضاء قد يبدو في ظاهره مفتوحًا، بينما تضبطه في العمق قواعد غير مكتوبة تنظّم المرور، وتحدّد ذلك الذي يُرى وذلك الذي يُؤجَّل ظهوره... وذاك الذي لا يُرى أبدا.. حيث تتشكل داخل هذا الإطار "عقليات" لا تقل تأثيرًا عن المؤسسات نفسها.. عقليات تُدير العلاقات، وتُعيد توزيع الفرص...
تنطلق هذه الزاوية من معاينة ميدانية، ومن أحاديث العديد من المفاعلين والفاعلات.. وأيضا من احتكاك يومي بتفاصيل العمل الثقافي.. وهنا نضع التجربة في قلب التحليل لنتعامل مع ما يُعاش كعلامات على بنية أعمق..
في تونس نتحدث عن ذهنية المتعاطين مع الشأن الثقافي التي تكشف وجوهًا متعددة لقرب يبدو دافئًا وناعما، وحضور يُعرض في هيئة دعم، ثم يتحول تدريجيًا إلى آلية ضبط دقيقة.. أين يقترب البعض بإصغاء محسوب، ويمنحون شعورًا بالاحتواء، ثم يعيدون رسم حدود العلاقة بما يخدم موقعهم داخل الشبكة.. وهنا تحديدا يُبنى النفوذ ببطء و عبر التراكم.. كذلك عبر التفاصيل الصغيرة التي تظهر فقط حين تكتمل..
تشتغل هذه الذهنية داخل منطق الافتراس الناعم.. إذ تستثمر في الهشاشة دون إعلان، وتحوّل الحاجة إلى اعتراف وإلى مدخل لإعادة تشكيل المسار... فتُفتح الأبواب عبر وساطة، ويُمنح الضوء عبر قنوات محددة، كما يصبح المرور مشروطًا بقرب غير مُسمّى. أين يُنتزع الصوت، أو يُعاد توجيهه. وأين تُفرض التبعية، أو تُزرع في شكل امتنان.
ربما تُعيد هذه الممارسة تعريف التعاطف نفسه.. وتمنحه وظيفة تتجاوز البعد الإنساني، ليصبح أداة لإعادة توزيع القوة داخل هذا الحقل.. أي من يُصغي؟ من يملك؟ من يحتضن؟ من يحدد الإيقاع؟ من يمنح الفرصة؟ من يحتفظ بخيط غير مرئي يربط الآخر به؟ وهنا تتشكل علاقة غير متكافئة دون حاجة إلى إعلانها تُدار عبر الإيحاء..
ربما تكشف بعض التجارب عن اقتصاد رمزي قائم بحظ ذاته.. يُتبادل داخله الكلمات و الدعوات والفرص بوصفها عملة. إذ يُقاس القرب، ويُثمَّن الولاء، ويُعاد ترتيب المواقع وفق معايير تتجاوز الإنتاج الفعلي. وهنا لا يختفي الإبداع، لكنه يجد نفسه محاطًا بشبكة تحدد سرعته واتجاهه..
ربما يفرض هذا الواقع سؤالًا يتجاوز الحالات الفردية.. كيف تتحول الثقافة، بوصفها فضاء حرية، إلى مجال تُدار داخله العلاقات بمنطق الحراسة الناعمة؟ وكيف يُعاد تشكيل المعنى حين يصبح الاعتراف مشروطًا والقرب أداة والتعاطف تقنية ؟
يفتح هذا السؤال أفقًا للتفكير في إمكان آخر وفي علاقات لا تقوم على الدَّين الرمزي، ولا تُقاس بمدى القرب من مراكز غير معلنة، إنما تُبنى على استقلال يضمن للإبداع أن يتحرك خارج كل وصاية ناعمة.

المشاركة في هذا المقال