وسائل الإعلام , هذه حقيقة غير سارّة رغم أنّ الموضوع يهمّ كلّ عائلة تونسيّة تقريبا ,هناك أفكار سطحيّة نسمعها من حين إلى آخر وتقييم من هناك ومقارنة مع ما كان عليه الوضع في الماضي من جهة أخرى ولكن ليس هناك عمل فريق ومحاولة للمّ شمل كل مفكّر ومهتمّ جادّ حول طاولة نقاش واحدة .
في محاولة لكسر هذا الجمود أقدّم في هذه الورقة في شكل عشرة مبادئ كبرى يمكن أن تكون قاعدة صلبة من أجل منظومة تربويّة تقطع مع الرتابة والفشل :
أوّلا الإصلاح التربوي هو بالأساس مسألة فكريّة, هو نتيجة قدرة على تصوّر نموذج متكامل وعملي يكون وليد فلسفة جامعة قادرة على إضفاء مسحة من العمق والمتعة في آن واحد. التعليم يتعامل مع مواد تذهب من الرياضيّات إلى الشعر والكاتب والمبدع هو المؤهّل لتصوّر توليفة متناغمة انطلاقا من موادّ مختلفة لأنّ الدراسات العلميّة تفتقد عادة إلى جانب الإبداع والقدرة على التصوّر, هي في أحسن الحالات تقيّم الوضع إحصائيا وتقدّم نظريّات عامّة والتغييرات الكبرى في كلّ المجالات قام بها مفكّرون ومثال الثورة الفرنسيّة وفلاسفة الأنوار من أمثال جون جاك روسو وفولتير أقوى دليل على ذلك ...
ثانيا إصلاح التربية في تونس هو بالأساس إصلاح التعليم الأساسي بمرحلتيه الابتدائية والإعدادية من منطلق حساسيّة هذه الفترة لأنّها تتعامل مع طفل ومراهق من ناحية وأيضا ما تمثّله من أساس لبقيّة المشوار المعرفي للتلميذ وكذلك ما اعترى هذه الفترة من فشل من ناحية بلوغ الأهداف المرجوّة لنسبة كبيرة من التلاميذ ...
ثالثا اعتبار المصلحة العليا للتلميذ فوق كلّ اعتبارات أخرى سواء أكانت اجتماعيّة أو نقابيّة أو غيرها فالتلميذ التونسي يعني "كلّ التونسيّون" فإذا اقتضت مصلحته العليا أن يدرس عددا محدودا من الموادّ فليكن ذلك وان اقتضت أن تكون الانقليزيّة هي اللغة الأساسيّة صحبة اللغة العربيّة فليكن ذلك وتبعا لذلك فان الإصلاح يتطلّب شجاعة والقيام بإصلاحات ربّما تبدو لأوّل وهلة صعبة التحقيق وهذا لا يعني أنّ هذا الأمر يتطلّب اعتمادات ضخمة بل ربّما على العكس ...
رابعا يمكن إتباع " فلسفة الاندماج "كأساس فكري و تقني لإصلاح التعليم الأساسي بمرحلتيه الابتدائيّة والاعداديّة وهذه الفلسفة كانت موضوع مقالات سابقة فسّرت خلالها هذه النظريّة الجريئة التي تنطلق من مبدأ أنّ التعليم الأساسي هي فترة من التعليم غير مختصّة وأنّ الاندماج هي الحالة الأقرب لطبيعة الحياة وتتمثّل خطوطها العريضة في دمج عديد الموادّ صلب مادّة الحضارة العربيّة وكذلك تقديم قدر المستطاع عدّة موادّ صلب نصّ أو خرجة واحدة و إعادة النظر في برامج كل مادّة وتقديم الدروس بصفة غير مسقطة وإلغاء تلقين قواعد النحو والصرف المملّة وتقنيات أخرى كثيرة في إطار تعليم أساسي جديد محدود الموادّ ومنفتح على محيطه الطبيعي والثقافي و يضرب موعدا مع المتعة والعمق في آن واحد .
خامس المبادئ هو إعادة الاعتبار أو إعادة الحياة إلى التكوين الحرفي صلب التعليم الإعدادي وهذا يعني عمليّا إيجاد إعدادية حرفيّة في كلّ معتمديّة تستوعب أو تنتشل فئة لا بأس بها من التلاميذ هي اليوم " مهمّشة "صلب التعليم الإعدادي العادي لأنّها لا تمتلك الأدوات المعرفية ولا الرغبة لمتابعة تعليم ذو صبغة نظريّة بحتة وهؤلاء من الأفضل أن يتمّ توجيههم إلى التكوين الحرفي في نهاية السادسة ابتدائي ضمن آليّات واضحة وشفّافة تحدّد لاحقا .
التعليم الحرفي يمكن أن يتضمّن موادا مثل تاريخ الحرف واللغات التطبيقيّة ويمكن أن يحيل إلى التكوين المهني وحتّى التعليم الثانوي .
سادسا ضرورة مزيد انفتاح المؤسسة التربوية على محيطها الثقافي والطبيعي والعلمي في إطار أهميّة روافد التربية فالمكتبة العموميّة يجب أن تكون فضاءا جاذبا للتلميذ من ناحية الشكل والمضمون ونادي السينما يجب أن يكون موعدا أسبوعيّا صلب أنشطة دار الثقافة والجمعيّة البيئيّة العلميّة والمهرجان السنوي القائم على فكرة خصوصيّات المنطقة والنادي الرياضي كلّها يجب أن تجد لنفسها حضورا قويّا وهنا على وزارة التربية أن تقيم شراكات قويّة خاصّة مع وزارات الثقافة والرياضة وغيرها وأن تحدث آليات عمليّة من أجل تعزيز حضور هذه الفضاءات صلب الاهتمامات اليوميّة للتلميذ ...
سابعا إعادة الاعتبار إلى مهنة المدرّس وهذا يعني أوّلا أن يتمّ الانتداب على أساس الكفاءة التي يجب أن لا تكون قطاعيّة بحتة بل تشمل كذلك جانبا "فكريّا " فالمدرّس وعلاوة على ضرورة إلمامه بمادّة تدريسه عليه مثلا " أن يكون له رأي "في موضوع الإصلاح والتجديد التربوي كما أقترح على الوزارة أن تحدث ما أسميّه "مقاييس التميّز غير الكلاسيكيّة " فالأستاذ الذي ينتدب عن طريق مناظرة والذي عمل في أكثر من ولايتين من ولايات الجمهوريّة التونسيّة والذي اختار أن لا يعطي دروسا خصوصيّة والذي له نشاط فكري تربوي وأشياء أخرى مثل الأقدمية العامّة والعدد البيداغوجي على الوزارة أوّلا أن تعرفه وثانيا أن تكرّمه في إطار ما أسميّه "تحفيز التميّز" عن طريق أشياء عمليّة مثل تقليص ساعات التدريس أو منحه فرصة الاطلاع على تجارب تربويّة "متقدّمة "في إطار رحلات دراسيّة إلى الخارج.
ثامنا إعادة الاعتبار إلى الجانب القيمي وأهمّا قيم المصلحة العامّة واحترام الآخر والتعاون بدل التنافس وأيضا ضرورة عدم تماهي الإصلاح التربوي مع بعض الأفكار الخاطئة و السائدة في المجتمع وهنا أنا أخصّ بالذكر النظرة الدونيّة تجاه التكوين الحرفي وكذلك قبول فكرة أنّ الجيل الجديد هم أبناء الفضاء الافتراضي أوّلا لأنّ الحرفة اليدويّة نشاط مهمّ في كلّ المجتمعات وقد قامت عليها الحضارات الأولى وثانيا لأنّ أبناء المدرسة الأساسيّة يجب أن يكونوا وبقوّة أبناء الواقع المادّي الحقيقي , أبناء الكتاب والحواسّ الخمس وهذا يتماهى مع القوانين التي فرضتها بعض الدول المتقدّمة في المدّة الأخيرة والتي منعت وسائل التواصل الاجتماعي على من سنّه أقلّ من ستّة عشر سنة .
تاسعا الزمن المدرسي يجب أن يراعي أشياء كثيرة منها أنّ التدريس هي عمليّة اصطناعيّة تدور أحداثها أساسا في مكان مغلق وأنّ المتعلّم هو في الأساس طفل ومراهق و في بداية الشباب و كذلك ضرورة منح التلميذ حيّزا زمنيّا يوميّا من أجل مزيد انفتاحه على محيطه العام وهذا يقتضي حسب رأيي زمنا مدرسيّا بعشرين ساعة في الأسبوع على امتداد خمسة أيام (4ساعات صباحيّة يوميّة ) واعتماد نظام السداسي بدل الثلاثي .
عاشرا إعادة الاعتبار إلى المؤسسّة التربويّة بوصفها الفضاء الذي يحتضن العمليّة التربويّة فالمدرسة يجب أن تكون نظيفة وأن تحوي حديقة وأن توكل لمديرها مهمّة إيجاد صيغ عمليّة من أجل انخراط الوليّ والتلميذ والمجتمع المحلّي في عمليّات النظافة والصيانة الدوريّة من أجل ان تكون المدرسة في أبهى حلّة وأن تكون فضاءا جاذبا كما أن القانون يجب أن يطبّق بصرامة داخل هذا الفضاء وهنا أنا أذكر مثال منع استعمال الهواتف الذكيّة الذي لا يجد طريقه إلى التطبيق في بعض الأحيان رغم وضوح المناشير الصادرة عن الوزارة .
بقلم: نبيل بن ابراهم :أستاذ رياضيّات مميّز ومفكّر في مجال علاقة التربية بالثقافة