ترف فكري، بل بات واقعا تفرضه خرائط القتال التي تمتد من سهول أوكرانيا إلى مياه الخليج . لقد وثق التقرير الأخير لصحيفة "الغارديان عملية "انصهار" لمساري الصراع في كل من أوكرانيا والشرق الاوسط واللذين كانا يعاملان -حتى وقت قريب- كملفين منفصلين. اليوم، يبدو أن العالم يتجه نحو نموذج جديد من الحروب الهجينة التي تتداخل فيها التكنولوجيا،والطاقة والجغرافيا السياسية بشكل غير مسبوق.
يكشف تقرير "الغارديان" عن واقع أكثر تعقيدا، تقوده "البراغماتية السياسية" والمصالح المتبادلة. فالتداخل المتزايد بين الحرب في أوكرانيا والملفات الساخنة في الشرق الأوسط ليس مجرد صدفة عسكرية، بل هو نتاج طبيعي لبحث دول مثل إيران وروسيا عن توازن قوى بديل في ظل نظام دولي يمرّل بمخاض عسير.
لقد أثبتت التطورات في مضيق هرمز أن الجغرافيا السياسية لا تزال اللاعب الأقوى. إن ارتفاع أسعار النفط والغاز الناتج عن التوترات هو بمثابة إعادة ضبط لموازين القوى الاقتصادية. بالنسبة لإيران، فإن التأثير على الملاحة هو أداة تفاوضية سيادية، وبالنسبة لروسيا، كان هذا الارتفاع بمثابة صمام أمان لميزانيتها. هذا التقاطع الاقتصادي أجبر حتى إدارة ترامب على اتباع سياسة مغايرة، مما يثبت أن المصالح النفطية للدول الآسيوية والغربية على حد سواء تجبر الجميع على الاعتراف بمكانة هذه القوى في المعادلة الدولية.
والمفارقة هو دخول أوكرانيا على خط الاحداث وتحولها نحو "دبلوماسية السلاح" في الخليج لتسويق خبرتها في التصنيع العسكري. هذا التحرك يؤكد أن التكنولوجيا العسكرية أصبحت لغة التفاهم الوحيدة العابرة للقارات. فبينما تسعى كييف لتقديم نفسها كمزود للحلول الدفاعية، تظل طهران لاعبا مركزيا في هذه المعادلة التقنية.
يرى البعض ان هذا التداخل هو بداية ظهور نظام دولي متعدد الأقطاب. فالتحالفات القديمة المتجددة بين روسيا وإيران، أو الجديدة عبر الشراكات التقنية الأوكرانية-الخليجية تعكس رغبة الدول في تنويع خياراتها الأمنية والاقتصادية.
إن اندماج المسارات بين أوروبا والشرق الأوسط يعكس حقيقة واحدة وهي أن الأمن لم يعد يتجزأ. وبدلا من سياسة الضغوط القصوى، يثبت الواقع أن القوى الإقليمية، وعلى رأسها إيران، تمتلك أوراقا قوية تجعل من تجاوزها في أي معادلة أمنية دولية أمرا شبه مستحيل. فالعالم اليوم بقدر ما يتجه نحو الانفجار في حال تواصل الحروب ، بقدر ما يتجه كذلك نحو الاعتراف بـ"وحدة المصالح" والارتباط الوثيق بين استقرار أسعار الطاقة في آسيا وهدوء الجبهات في أوروبا. في خضم كل ذلك تأتي المظاهرات الكبرى في الولايات الامريكية لتزيد من الضغوط على الرئيس البيضاوي الذي يعيش امتحانا صعبا بين خيار الاستمرار في الحرب بضغط صهيوني وبين تزايد الرفض الشعبي الأمريكي لسياساته العبثية .