Print this page

للحديث بقية قرطاج وقاديشا... وحراس الأرز

بين شموخ البحر في قرطاج ورقة الندى في

وادي قاديشا، يمتد خيط من وجع شفاف، لا يقطعه مد المتوسط ولا جزر المسافات. أجلس هنا، على شرفة تطل على أفق فينيقي عتيق، فأجدني أتحسس حقائب روحي التي حزمتها يوما من زوارق طرابلس، كانت مليئة بعبق زهر الليمون، وبقايا غبار الطرقات المتعرجة التي كانت تنطلق بنا صعوداا نحو أعالي الحلم، كأنها تصعد نحو السماء، لترمي بنا في حضن بشري وإهدن.
كانت نزهات الأحد طقساً عائليا للنجاة، وصلاةً صامتة بعيدا عن "لبنانهم" الذي تنهشه الحروب ويملؤه الضجيج. كنا نمضي نحو ملكوت آمن، حيث الوادي المقدس يفتح ذراعيه كراهب جليل يحرس أسرار البشرية. هناك، تتجلى معجزة الجغرافيا التي فعلت ما عجزت عنه السياسة، فنهر قاديشا الذي ينبع من صمت بشري المسيحية، ومن وقار أديرتها المحفورة في الصخر، ينحدر بسخاء ليعانق قلب طرابلس الإسلامية، فيغسل أزقتها المملوكية العتيقة بماء القداسة.
لقد وحدنا هذا النهر قبل أن تفرقنا الدروب، سال من قمم الجبال التي ترفع صليبها نحو الضوء، ليصب في الفيحاء التي ترفع مآذنها نحو الضياء. شريان واحد، لا يعرف مذهباً ولا يفرق بين ضفة وأخرى، سقتنا جباله الانتماء نفسه قبل أن تلوثنا الأيديولوجيات. وتحت ظلال شجر الجوز في إهدن، كنا نقتسم الخبز والضحكات، نخبئ في جيوبنا الصغيرة حصى من "مار سركيس"، ونظن أن الجبال لا تهرم، وأن قدسية الوادي كفيلة بطرد شياطين الموت والحرب والدمار وباستحضار معجزة المعابد.
اليوم، والعدوان الصهيوني ينهش خاصرة الوطن من جديد، أشعر بزلزال يعصف بروحي ...إنه غضب حراس الأرز. أرى صخور قاديشا وهي تنتفض، وكأن الأودية المقدسة قد ضاقت ذرعاً بالعبث والدنس ، فقررت أن تسترد صمتها المسلوب. تتردد في أذني صرخة جبران خليل جبران كوصية أخيرة: "لكم لبنانكم ولي لبناني". ولبناني الذي حملته معي إلى تونس، ليس خريطة صماء، بل هو ذاك الصفاء الذي عشناه في نزهات الأحد، هو كبرياء الأرز الذي يأبى الانكسار، هو الأمانة التي أودعها الجبل في قلوبنا قبل أن نرحل.
بين قرطاج وقاديشا، أدرك الآن أنني لم أغادر أبدا. أنا تلك الطفلة التي لا تزال تجلس على حافة الوادي، تراقب النهر وهو يتدفق من قمم بشري ليصالح بحر طرابلس، وتنتظر أن ينتهي ضجيج الرصاص ليعود الهدوء سيدا للمكان. فمن يسكن في ذاكرته "قاديشا"، لا يمكن لأي عدوان أن يكسر فيه "لبنانه" العصي على الموت.

المشاركة في هذا المقال