على لبنان، جاء إعلان وزير الحرب الصهيوني يسرائيل كاتس عن نية تل أبيب السيطرة على "منطقة أمنية" تمتد حتى نهر الليطاني، ليضع لبنان والمنطقة أمام واقع جيوسياسي جديد. هذا الإعلان ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هو إعلان رسمي عن "قواعد اشتباك" جديدة تسعى "إسرائيل" من خلالها إلى قضم قرابة عُشر مساحة لبنان وتفريغه من سكانه.
ولعل أخطر ما ورد في تصريحات كاتس هي الإشارة الصريحة إلى اتباع "نموذج رفح وبيت حانون". هذا يعني انتقال الاستراتيجية الإسرائيلية من "الضربات الجراحية" ضد حزب الله إلى "عقيدة التدمير الشامل" للبنية التحتية المدنية. فالهدف هنا واضح هو تحويل القرى الحدودية إلى منطقة عازلة غير قابلة للحياة مما يحرم حزب الله من "البيئة الحاضنة" ومن القواعد الأمامية التي شكلت صمام أمان له في أي حرب ضد العدو.
هذا الإعلان يمثل الرصاصة الأخيرة على القرار الدولي رقم 1701 الذي كان ينص على خلو المنطقة بين الليطاني والحدود من السلاح غير الشرعي. وبينما كانت المطالبات الدولية تنصبُّ على انتشار الجيش اللبناني وقوات "اليونيفيل"، تفرض إسرائيل اليوم "أمراً واقعاً" يتجاوز الدولة اللبنانية بالكامل. إن السيطرة على الجسور الخمسة فوق الليطاني وتدميرها يعني عملياً فصل الجنوب جغرافياً وعسكرياً عن العمق اللبناني، مما يضع الدولة اللبنانية أمام تحدٍ وجودي لسلطتها على أراضيها. وهو تحد ليس بالجديد بل لبنان كان على الدوام في قلب الأطماع الصهيونية قبل ان تسفر عمليات المقاومة عن انسحاب تاريخي لإسرائيل عام 2000 . لكن رغم هذا الانسحاب الا ان لبنان بجنوبه و"ليطانه" لم يخرج عن أطماع الصهاينة مما جعل بلد الأرز يدور في حلقة مفرغة من الحروب للدفاع عن أرضه وترابه في وجه أطماع الاحتلال .
يأتي هذا التصعيد في توقيت مريب، فبينما يتحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن "اتفاق وشيك" مع طهران، تندفع "إسرائيل" لتعزيز أوراق قوتها على الأرض. يبدو أن حكومة نتنياهو تسابق الزمن لفرض واقع ميداني لا يمكن الرجوع عنه في أية مفاوضات مستقبلية. وهنا تطرح عديد التساؤلات فهل يندرج التوغل الإسرائيلي ضمن "توزيع أدوار" أمريكي-إسرائيلي للضغط على إيران، أم هو محاولة إسرائيلية لعرقلة أي تقارب قد لا يضمن أمن شمال إسرائيل بالشروط التي تراها تل أبيب؟
على الصعيد الإنساني، نحن أمام كارثة كبرى، فتهجير أكثر من مليون لبناني ومنعهم من العودة إلى جنوب الليطاني يمثل "تغييراً ديموغرافياً" قسرياً. وهذا يزيد من ترسانة الجرائم القانونية الدولية التي ارتكبتها دولة الاحتلال في لبنان وغزة ، لكن أثبتت التجربة في غزة وكذلك تاريخ الاحتلال الاجرامي ان التنديد الدولي لا يشكل رادعاً فعليا أمام حجم الأهداف العسكرية الإسرائيلية .
إن إعلان "المنطقة الأمنية" حتى الليطاني هو مقامرة إسرائيلية كبرى. فما لا يدركه الصهاينة أن أرض الجنوب هي مولد الأبطال ورجالها يستميتون للدفاع عن كل ذرة تراب منها . وان هذا المخطط الجديد سيضع دولة الاحتلال أمام حرب استنزاف طويلة الأمد. والتاريخ يعطي أهم الدروس والعبر في هذا السياق فقد سبق لدولة الاحتلال ان احتلت الجنوب وفرضت منطقة عازلة في حدوده ،لكن اضطرت الى الانسحاب عام 2000 في لحظة تاريخية ستتكرر في لبنان طال الزمن أو قصر .