في إدراك أننا لسنا أمام "جولة قتالية" تقليدية، بل نحن في خضم مواجهة وجودية كبرى تتجاوز حدود الجغرافيا اللبنانية لتطال مستقبل التوازنات في المشرق العربي برمته. إن ما يشهده الجنوب والضاحية في لبنان من عدوان صهيوني غاشم، يتجاوز كل الحدود والخطوط الحمراء، ليصب في خانة مشروع قديم-متجدد، يهدف إلى كسر إرادة الممانعة وتحويل المنطقة إلى "مجال حيوي" للهيمنة الإسرائيلية المطلقة.
عندما تتحدث الأرقام عن تجاوز عدد النازحين لمليون إنسان، فإننا لا نتحدث عن أزمة إنسانية فحسب، بل عن أداة ضغط سياسي وديموغرافي يستخدمها الاحتلال لزعزعة الاستقرار الداخلي. تنضاف اليها ضغوط الداخل اللبناني المتمثل في سياسة الحكومة اللبنانية نفسها والتي ترى فيها أوساط المقاومة ، انسياق لبناني رسمي الى الضغوط الصهيو أمريكية.
إن استهداف القرى والبلدات في ميفدون والنبطية وزوطر الشرقية، وفرض شروط تعجيزية للعودة إلى جنوب الليطاني، يكشف بوضوح عن رغبة صهيونية في خلق "أرض محروقة" خالية من الحياة، لتكون مقدمة لتغيير وجه المنطقة جغرافياً وسياسياً.
في هذه اللحظة الحاسمة، يبرز صمود حزب الله وانخراطه في اشتباكات مباشرة مع قوات الاحتلال ليس فقط كفعل دفاعي عن السيادة، بل كضرورة تاريخية لمنع انزلاق المنطقة نحو التبعية. إن الصواريخ التي تستهدف نهاريا وتل أبيب وحيفا تحمل رسالة سياسية وعسكرية مفادها أن "الميزان العسكري" لم ينكسر، وأن محاولة فرض "واقع صهيوني" جديد في لبنان ستصطدم بجدار صلب من التكتيكات العسكرية والإرادة القتالية.
إن هذه المعركة هي "حجر الزاوية" في منع قيام نظام إقليمي تقوده تل أبيب بضوء أخضر دولي. فالفشل الصهيوني في تحقيق "اجتياح بري سريع ونظيف" يعني بالضرورة سقوط أوهام "الشرق الأوسط الجديد" الذي بشّر به نتنياهو، والذي يقوم على أنقاض السيادة العربية.
رغم التحذيرات الصادرة من برلين وأنقرة، ووصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس للعملية الإسرائيلية البرية بأنها "خطأ كارثي"، إلا أن الرهان الحقيقي لا يزال معقوداً على الميدان. فالتاريخ يعلمنا أن "القانون الدولي" لا يحمي من لا يحمي نفسه، وأن التوازنات السياسية لا تُحترم إلا إذا كانت مسنودة بقوة ردع قادرة على جعل المعتدي يدفع أثماناً باهظة.
إن ما يجري اليوم هو محاولة لمنع تكرار سيناريو "النكبة" الفلسطينية بصيغة لبنانية. والصمود اليوم في جنوب لبنان هو الدفاع الأول عن سيادة الدول العربية وعروبة القدس. إنها المعركة المصيرية التي سيتقرر فيها من يملك الحق في رسم مستقبل هذه المنطقة ، شعوبها الأصلية وقواها الحية، أم المخططات الاستعمارية الصهيونية التي تسعى لتحويل دول المنطقة إلى كانتونات تابعة.
بناءً على هذا الصمود للمقاومة في لبنان ، تبقى الكلمة الأخيرة للميدان، فبلد الأرز من حقه أن يتنفس الحرية بعيدا عن سجون الاحتلال ومشاريعه التدميرية الإحلالية خاصة انه بان بالكاشف ان العدو قادر في كل مرة على نكث كل اتفاقياته واولها اتفاق الهدنة وسعى طوال عام الى تحقيق ما عجز عن تحقيقه في المعركة العسكرية والإبقاء على شريط حدودي من خلال اقتلاع أراض لبنان الحدودية . اليوم تحاول المقاومة إعادة خلط الأوراق ورهانها على قدراتها العسكرية وايمان رجالها بضرورة إعادة الأراضي المسلوبة لأصحابها بعيدا عن منطق الهزيمة والانكسار . بذلك فقط يمكن لأوهام التفوق التكنولوجي الصهيوني أن تتكسر أمام إرادة "المقاوم" الذي يدافع عن أرضه وكرامته وتاريخه وجذوره وأرض أجداده ... فتراب الجنوب أغلى ما يملكه أبطال الميدان .