إسهاماً أكاديميا رصينا في تأريخ احدى التجارب المدنية التي بقيت مغمورة والتي جاء الكتاب ليوضح مساهمتها في تشكيل المشهد السياسي التونسي في أواخر الفترة الاستعمارية وفي مرحلة ما بعد الاستقلال. وقد صدر الكتاب ضمن سلسلة " منتدى التجديد" التي تحتضنها دار نيرفانا للنشر والتوزيع بتونس في الأسبوع الثاني من شهر فيفري 2026. احتوى الكتاب على 196 صفحة من الحجم المتوسط وقد أهداه صاحبه الى روح سليمان بن سليمان (1905-1986) الذي اقترن جزء هام من مسيرته النضالية بتاريخ هذه التجربة الفريدة والذي تمر هذه الأيام الذكرى الأربعون لوفاته. لذلك كان طبيعيا أن يكون تقديم الكتاب بقلم نجله الأستاذ المنصف بن سليمان حيث تميز التقديم بطابع مزدوج استحضر فيه البعد الإنساني والعائلي إضافة للبعد التاريخي حول فترةوصفها المنصف بن سليمان بأنها:"حملت آمالا كبيرة ولكنّها كانت أيضا مليئة بخيبات وتوتّرات واختيارات سياسية كان لها عواقب وخيمة وفي هذا السياق المعقد الذي تشقه تطلعات متناقضة اندرجت أنشطة اللجنة التونسية للحرية والسلم التي لم تكن يوما منظمة جماهيرية ولا أداة للسلطة وكانت تسعى في المقام الأول إلى أن تكون فضاءً للتفكير واليقظة وحرية التعبير ملتزمة بالدفاع عن الحريات العامة والتضامن مع الشعوب من أجل تقرير مصيرها".
استعادة تاريخ منظمة ظلّت مجهولة
تتبّع الكتاب مسيرة "اللجنة التونسية للحرية والسلم" خلال الفترة الممتدة بين عامَي 1948 و1968، التي رأى فيها المؤلف، نموذجاً فريداً للعمل المشترك بين القوى التقدمية التونسية على اختلاف مرجعياتها الفكرية والسياسة التي جمع بينها نضال مشترك من أجل الحرية والسلم. سعى الكتاب إلى الحفرفي طبقات الذاكرة الجماعية وتجميع الوثائق الأرشيفية المشتّتة، بهدف إعادة الاعتبار لصفحات مطموسة من تاريخ المجتمع المدني في تونس في أواخر فترة الاستعمار وبدايات عهد الاستقلال. ولا تكمن أصالة هذا العمل في اكتشاف وقائع مجهولة فحسب، بل في إعادة تركيب السياق الذي نشأت فيه اللجنة وتطورت ضمنه، ورصد التوتّرات البنيوية التي ولّدتها ظاهرة العمل المشترك بين فاعلين سياسيين ذوي انتماءات متباينة. وقد أخبرنا صاحب الكتاب ضمنتمهيد مطوّل (ص. 13-27) عن قصّته مع موضوع بحث لازال يرافقه منذ نصف قرن من الزمن لم يتوقف عن تجميع المعلومات المتناثرة حوله إلى حدود الأسابيع الأخيرة التي سبقت إيداع الكتاب للناشر. يتناول الكتاب جذور حركة السلم في البلاد التونسيةالتي كانانطلاقها في سياق الحرب الباردة وظهور الكتل المتصارعة، موضحاً السياق الجيوسياسي الذي دفع نحو بروز حركة السلم العالميةوتأثير ذلك على المشهد السياسي التونسي. لقد ظهرت فكرة تأسيس اللجنة التونسية للحرية والسلم في أواخر سنة 1948 بمناسبة زيارة الأستاذ الفرنسي برونان لتونس في شهر نوفمبر، ممّا أتاح لقاءات بين الدستوريين والشيوعيين مهّدت لأول إعلان رسمي عن بداية أول عمل مشترك في شهرجانفي 1949 تمهيدا لحضور وفد تونسي مشترك في مؤتمر دولي انعقد في باريس في شهر أفريل 1949. وشكّل المؤتمرمنعطفاً تاريخياً بارزا، إذ رفع الوفد التونسي ذي المشارب التعدّدية لأول مرّة راية تونس جامعاً بين المطالبة بالنضال ضد الاستعمار وإيقاف التسابق نحو التسلّح. وقد تجلى هذا الاتفاق في تسبيق كلمة الحرية على السلم في تسمية اللجنة التونسية. إلا أنّ هذا الاتفاق سرعان ما ستتلوه مرحلة اختلاف بين مكونات اللجنة فيما يخص خيارات التحالفات في ظروف الحرب الباردة خاصة بعد انحياز قادة الحزب الدستوري-الجديد والاتحاد العام التونسي للشغل لفكرةالتعويل على المعسكر الأمريكي للضغط على الاستعمار الفرنسي. ولئن فشلالدكتور بن سليمان في الحفاظ على التوافق بين أطرافها المؤسسة كما أدى هذا الخلافأيضا إلى طرده من الحزب الدستوري -الجديد (مارس 1950) بعد أن كان من قادته منذ السنوات الأولى لتأسيسه،إلا أنّه نجح في الحفاظ على المنظمة التي تم التخطيط لقبرها على أساس أنّها "أداة شيوعية في تونس".ورغم مقاطعة أعمالها من قبل الدستور-الجديد ومن الاتحاد العام التونسي للشغل سعت اللجنة لتقديم مساهمتها في النضال ضد الاستعمار وبناء دولة الاستقلال حيث كان لها مواقف جريئة فيمساندة الكفاح التحريري للشعبالجزائري وحرب كوريا والتنديد بالتجاربالنووية التي كانت تقوم بها فرنسا في الصحراء. وقد استطاعت اللجنة القيام بتلك الأعمال بفضل حرص أعضائها على جعلها إطارا مجمعاللقوى والطاقات والكفاءات ضمن أهداف مشتركة وهو ما شكّل المحور الثاني الذي سعى الكتاب إلى الغوص فيه وإبراز تجلياته من خلال أنشطة اللجنة.
نبش في ذاكرة العمل المشترك في تونس رغم تواضع المنجز
تكمن الإضافة الثانية لهذا الكتاب في استقراء مظاهر العمل المشترك التي سمحت بها اللجنة التونسية للحرية والسلم فرغم محدوديته وقصر مدته فإن هذه التجربة بيّنت أنّه من الممكن التقاء المناضلالدستوري بالمناضل الشيوعي ليس فقط في السجون الاستعمارية وإنّما في تحركات سلمية ضد البرامج الاستعمارية وفي وفود مشتركة رفعت راية تونس في عديد المنابر والمؤتمرات الدولية في الفترة الاستعمارية وفي مرحلة بناء الدولة الوطنية.فقد قدّم الكتاب أرشيفا تاريخياً متكاملاً (مقالات ورسائل ومحاضر جلسات الخ..)وهو يُتيح للباحثين في المستقبل العودة إلى مصادر موثوقة حول هذه التجربة الفريدة في الفضاء المدني التونسي التي التقى فيها المناضل الدستوري القديم والجديد بالمناضل الشيوعي والنقابي والنسوي والشبابيوبعدد من الفنانين والرسامين والأطباء والجامعيين والطلبة الخ...، وتجدر الاشارة أنّ المؤلف لا يكتفي بسرد الوقائع، بل سعى إلى فهم الآليات التي أتاحت للجنة أن تكون فضاءً للعمل المشترك رغم التباين الإيديولوجي بين أعضائها. وأما البعد الآخر الذي تناوله الكتاب فهو استشرافي: إذ طرح الكتاب تساؤلات ذات أهمية راهنة تتصل بعلاقة الدولة بالمجتمع المدني، وحدود التسامح السياسي، وإمكانيات التوافق بين مختلف مشارب الفكر السياسي. فبالعودة لإسهامات اللجنة في مرحلة ما بعد الاستقلال (1956-1968)، يتبين القارئ أنّها سعت لتركيز حياة ديمقراطية وناضلت من أجل إبراز تيّار تقدمي مستقل حاول أن يخلق فضاء خاص به رغم الهيمنة الكلية التي حرصت السلطة البورقيبية وحزبها لفرضها على المجتمع.تنتمي الحقبة التي درسها هذا الكتاب إلى مرحلة التحولات الجذرية التي عاشها العالم. فعلى الصعيد الدولي، كانت الحرب الباردة تلقي بظلالها على كل الفضاءات وكانت حركات التحرّر الوطني في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية في ذروتها في كل من الجزائر وفيتنام، فيما كان الجدل قائماحول التجارب النوويةويستقطب اهتمام المثقفين. وعلى الصعيد المحلّي، كانت تونس تمر بمرحلة انتقالية دقيقة: من نظام الحماية الفرنسي إلى الاستقلال، ومن التعددية النضالية إلى إرساء دولة الحزب الواحد وما رافقها من تضييق متصاعد على الحريات.يندرج هذا الكتاب في سياق المراجعات التي شهدتها الكتابة التاريخية التونسية منذ ثورة 2011، حين فتحت الحرية الأكاديمية والسياسية المتجددة آفاقاً واعدة لإعادة قراءة تاريخ تونس بعيون نقدية متحررة من إكراهات السرديات الرسمية. ويُذكّرنا الكتاب بأنّ التاريخ الوطني هو قبل كل شيء بحث وتخصص قائم بذاته له ضوابطه وقواعده وهو موكول لفئة مخصوصة من المجتمع تقوم بعملها بعيدا عن تصفية الحسابات والتوظيفات السياسوية. يستند الكتاب إلى منظومة مصادر متنوعة من صحافة ذات توجّهات مختلفة، وارشيفات إدارية وخاصة، وشهادات جمعها المؤلف على امتداد عقود من البحث الميداني. وتجدر الإشارة إلى أن هذا العمل يستكمل مسيرة بدأها الأستاذ القزدغلي منذ بحثه الجامعي الأول الذي ناقشه سنة 1980 ممّا يمنح هذا التأليف طابع النضج والعمق المنهجي. والكتاب -كما أراد ذلك صاحبه- هو بحث في أركيولوجيا العمل المشترك في تونس- من حيث اقتراحه لإطار تحليلي يُمكّن من قراءة العلاقة الجدلية بين الالتزام المبدئي والواقع السياسي المعقد في مرحلة تأسيس الدولة الوطنية حيث اضطلع المؤلف بمهمّة المؤرخ المُنصف الذي يُعيد للماضي كل مكوّناته وفاعليه ويظهر ما طمسه النسيان وما فرضته السرديات الأحادية، مُذكّرا بأن بناء الديمقراطية والسلام ليس حدثاً عرضيا، بل هو مسار تراكمي تشيّده أجيال من النساء والرجال الذين آمنوا بأنّ الحرية والعدالة والكرامة وجوه متكاملة لمشروع إنساني واحد.إنّه باختصار عمل يستحق القراءة المتأنية والدراسة، وهو إضافة نوعية للمكتبة التاريخية التونسية.
بقلم: حلمي الغزواني- باحث في التاريخ المعاصر