Print this page

على هذه الأرض… ما يستحقّ الحياة

علّمنا محمود درويش أن:

 

«على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة…

على هذه الأرض سيدةُ الأرض،
أمُّ البدايات،
أمُّ النهايات.
كانت تُسمّى فلسطين،
وصارت تُسمّى فلسطين.
سيّدتي: أستحقّ، لأنكِ سيّدتي، أستحقّ الحياة.»
بهذا المعنى عاشت ليلى شهيد. لم تكن فلسطين لديها شعاراً سياسياً، بل كانت ميزاناً أخلاقياً. لم تكن حدوداً مرسومة على خريطة، بل كانت معنىً للكرامة، واختباراً للإنسانية.
فلنقلها بوضوح، احتراماً لقرارها الأخير، واحتراماً لفعلها الذي يشبه صرخةً في وجه عالمٍ فقد صوابه:
ليلى لم تمت كما يموت الناس عادةً.
ليلى اختارت أن تغادر عالماً صار عبثياً، قاسياً، بلا خجل.
عالمٌ رأت فيه، منذ 2023، شعبها يُذبح تحت أنظار العالم. رأت غزة تنحدر إلى الجحيم، لا كخبرٍ عابر في نشرةٍ مسائية، بل كجرحٍ مفتوح في جسدها هي. كانت تؤمن بالتعايش الممكن، وبحلٍّ عادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وبأن القانون الدولي ليس قصيدةً بل التزاماً. لكنها وجدت نفسها في زمنٍ صار فيه النطق باسم «فلسطين» تهمة، وصار فيه الدفاع عن الحقّ قرين الشبهة.
قالت «لا» للمرة الأخيرة.
لا لابتذال الضمير.
لا لازدواجية المعايير.
لا لعالمٍ يطلب من الضحية أن تخفّف من ألمها كي لا تُربك قاتلها.
وُلدت عام 1949، حاملةً ذاكرة عائلةٍ ارتبط اسمها بتاريخ فلسطين السياسي. عرفت المنفى باكراً، وعرفت أن الهوية ليست خطاباً بل مسؤولية. بعد 1967 عملت في مخيمات اللاجئين، تبحث في سرّ بقاء الهوية حيّة بعد النكبة. اكتشفت أن الوطن يمكن أن يُعاد بناؤه حتى في المنفى: في ترتيب الأزقة، في أسماء الشوارع، في حكايات الجدّات.
مثّلت فلسطين في فرنسا سنواتٍ طويلة. خاطبت المجتمع الفرنسي بذكاءٍ وأناقة، وبصراحةٍ لا تعرف اللغة الخشبية. لم تكن ديبلوماسية بالمعنى التقني فحسب، بل كانت ضميراً يتكلّم. أحبّت فرنسا كما كانت تقول، وعاشت فيها «قصة حب»، لكنها لم تُساوم يوماً على اسم بلادها.
كانت تؤمن أن الاعتدال قوة، وأن الثقافة شكلٌ من أشكال المقاومة. لم تكن تصرخ، بل كانت تُحاجج. لم تكن تزايد، بل كانت تُذكّر. كانت تمثّل فلسطين المثقفة، المتعدّدة، المنفتحة على العالم، لا تلك التي يُراد لها أن تُختزل في صورةٍ نمطية.
لكنّ العالم ضاق بالعقلاء. تراجعت اللغة أمام الضجيج، وغاب القانون أمام القوّة العارية. أمام مشاهد غزة، بدا أن كلّ ما دافعت عنه يتهاوى: فكرة العدالة، فكرة التوازن، فكرة أن الدم الفلسطيني ليس دماً زائداً عن الحاجة.
رحيلها ليس حدثاً شخصياً فحسب؛ إنه علامة على زمنٍ يخسر أصواته الأخلاقية. كانت جسراً بين الألم والحوار. وحين تتعب الجسور، يبقى الصمت أو الهاوية.
ليلى لم تهرب من المعركة، بل أدركت حدود القدرة الإنسانية على تحمّل الانكسار المتكرر. وفي فعلها الأخير، تركت لنا سؤالاً قاسياً: كم يمكن للروح أن تحتمل حين يصبح الظلم قاعدةً لا استثناء؟
شكراً لكِ، سيّدتي.
شكراً لأنكِ ذكّرتِنا أن فلسطين ليست فقط أرضاً محتلة، بل فكرة عدل.
شكراً لأنكِ علّمتِنا أن الكرامة لا تُجزَّأ، وأن الصمت ليس حياداً.
سنواصل الطريق، مهما اشتدّ الليل.
فلا بدّ لليل أن ينجلي.
ولا بدّ لصوتكِ أن يبقى، ما بقي في هذه الأرض ما يستحقّ الحياة.

 

المشاركة في هذا المقال