Print this page

عندما يواجه المثقفون أعمياء البصيرة

لقد فقد الكثير من الناس في بلادنا بصيرتهم!.

فئة تحاول ردم مضامين ثورة مجتمعها بترذيل رموزها وتتفيه طموحات من ملأ بها صدره وحنجرته. وفئة تزايد عليها وتنتقي منها ما تحتكر الحديث فيه وحدها لأن بيدها السلطة، وفئة أخرى تلوك تمثلات للثورة صقلتها السرديات الكلاسيكية لنخب الثورات في حد ذاتها أكثر مماكانت وقائع تاريخية. وفئة عجزت بشكل محزن عن أن تتحرر من تاريخها الدعوي الإيماني، وتعيد قراءة مرجعيتها وفق أدوات العصر. وفئات أخرى إما غرقت في وحل الطوباوية العقائدية لسرديات الماضي، وإما نذرت نفسها بضاعة سياسية تدخل إلى سوق المضاربات السريعة متنكرة في حلل الحقوقيين والديمقراطيين و"الحرياتين" فتتجول بين الكل، " شد أنت متاعك ونشد أنا متاعي". من حسن الحظ أن هناك أقسام أخرى من الناس لم يفقدوا البصيرة، التي يروا بها أن التحولات الديمقراطية تفترض حرية التفكير والنقد والموقف،حرية تمكن من تمثلِ الحوار الجدي والمسؤول بوصفه هدفا استراتيجيا يخدم ديمقراطيا أهداف الثورة.
أقول هذا الكلام بعدما قرأت كم الشتائم التي أطلقت في حق حمادي الرديسي وسناء بن عاشور والمولدي القسومي،المصنفون يساريون ديمقراطيون، رفضا لحضورهم ندوة فكرية أو نقاشا بإدارة سمير ديلو المنتمي لحركة النهضة. والسب جاء من جهتين: جهة تزعم (وهذا باطل) أنها تلتقي معهم في فكرهم الحداثي، لكنها رفضتهم وهمشتهم وحاصرتهم عندما كانت متسلطة دون رادع. وجهة تزعم (وهذا باطل أيضا) أنها تلتقي معهم في يساريتهم. وبالمقابل ظل التيار الذي استضافهما في وضعية نقدية نفعية: حضورهما مكسب لكنه لا يغير القناعات والمعادلات الأساسية والمدفونة.
كنت حاضرا في الندوة أو سموها ما شئتم، رغم أنني لم أحضر إلا مداخلتين خوفا من "كبالة السيارات". وحضوري كان لاهتمامي بكل نقاش فكري جيد يمكنني حضوره، ولدعمي للتنوع الفكري مادامت الإساءة لبلدي ليست وجهة نظر، وكذلك ل "دودة" سوسيولوجية.
لقد استمتعت بالعرض الذي قدمه المتدخلان الأولان، وكانا حريصين على استقلاليتهما. وكان تحليلهما نقديا لا يمكن للمضيف-الرئيس أن يضع مخرجاته في جيبه. هل هذه جريمة حتى يصبحوا بذنبها: فرادي، الرديسي نكرة وسناء بن عاشور وريثة سلطة مكروهة والمولدي القسومي "عجل تم تسمينه" (هكذا قال بعضهم)، ومجتمعين: خونة للثورة ولدم الشهداء؟
من يفكر بهذه الطريقة إنما يريد أن يبقى الجميع يجري في نفس المكان، بل هو يعبر عن خوفه بأن تسقط عدة جدران شيدت في عهد انتهى صلاحيته أو يجب أن تنتهي. لا أحد من الديمقراطيين الحداثيين، الذين يرفضون أن تُولد من العقيدة الدينية سلطة سياسية، قابل لحزب النهضة على ما كان عليه وما فشل حتى الآن في التحرر منه. وهناك قادة في النهضة، لم تتلطخ أيديهم بمخرجات السلطة التي اغتيل فيها سياسيون وأعوان أمن وروع بسببها التونسيون، وقد فهموا أنه لا يمكنهم سوى التعايش ديمقراطيا مع غيرهم، وأن حلبة الصراع على المرجعيات يجب أن تبقى مفتوحة، وأن لعبهم على مفهومي المؤمن والمواطن لأخذ مكانهم المستحق في الساحة السياسية غير وظيفي، والأهم أنه يجب أن تحدث بشأنه ثورة لا يمكن أن يكون بطلها راشد الغنوشي (بيان ال 100 نهضاوي الشهير).
كيف يمكن لنا أن نرسي نظاما ديمقراطيا ونرفض أن نتحاور سلميا؟ كيف يمكننا أن نرسي أرضية عمل سياسي نتفق بشأنها على مبادئ، صارمة ويمكن مراقبة احترامها، تمكن كل طرف من النشاط الحر لكسب تأييد المواطنين؟كيف يمكننا أن نتفق على تمثلات مفاهمية أساسية لمن نحن، في هذا السياق بالذات، تكون بالنسبة لنا علامات الطريق نحو التحرر والديمقراطية والسلم، ونكون بها قادرين على توجيه كل طاقتنا لما سماه بورقيبة، وكان على حق، الجهاد الأكبر والأصعب، الذي هو في مفهومنا الانخراط في مشروع نهضة حضارية، نحقق بواسطته حرية الفكر والمشاركة السياسية، ونركب به موجة الانتقالات التكنولوجية، الضارب طبلها على مسامعنا بكل قوة، في المعلوماتية والفيزياء الكمية مفتاح التنمية في المستقبل؟
إن من يفضل البقاء بين الجدران التي شيدها في سياق آخر لم يخرج بعد من الظلام، وبالتالي خسر الانخراط في ما يهفو إليه قلب التونسيين، وفتحت لهم بابه الثورة. فإلى الحوار والنقاش العلني المسؤول والمفيد، فهو وحده يسقط الأقفال مِن على القلوب.

المشاركة في هذا المقال