Print this page

حين تُسلَّع الحياة: النيوليبرالية وصناعة اللامساواة الصحية من الاستبداد إلى السوق: كيف انتقلنا دون أن ننتبه

لا يمكن فهم الانهيار الحالي للمنظومة الصحية العمومية

باعتباره أزمة طارئة أو نتيجة عجز مالي ظرفي. ما نعيشه اليوم هو حصيلة مسار سياسي طويل، بدأ في ظل الدولة الاستبدادية، واستمرّ بعدها بأشكال جديدة.

لم تكن الدكتاتورية قطيعة مع منطق السوق، بل كانت شكلًا خاصًا من إدارته: سوق مُحتكَر، دولة قوية في القمع، ضعيفة في العدالة، تُدير الاقتصاد من أعلى دون مساءلة، وتُفرغ الحقوق من مضمونها الاجتماعي.
في زمن الاستبداد، جرى تفكيك الدولة الاجتماعية بهدوء وتدرّج. لم يُعلن ذلك صراحة، لأن القمع السياسي كان كفيلًا بإخماد أي اعتراض. وبغياب النقاش العمومي، تحوّلت الخيارات الاقتصادية إلى “قرارات تقنية”، تُقدَّم كضرورات لا تقبل الجدل. هكذا وُضعت الأسس الأولى لتحرير السوق من الرقابة الاجتماعية، وإضعاف الاستثمار العمومي في القطاعات الحيوية، ومنها الصحة.
آلية الانتقال: حين تغيّرت الأدوات وبقي الجوهر
مع سقوط رأس النظام، لم تُمسّ البنية الاقتصادية التي تشكّلت في ظله. لم يُفتح ملف السياسات العمومية، ولم تُراجع الخيارات التي فُرضت دون تفويض شعبي. بل على العكس، استُخدمت لحظة الانتقال السياسي لتكريس منطق “اللا بديل”: دولة مثقلة بالديون، اقتصاد هش، ميزانية منهكة، وضغوط مانحين دوليين.
في هذا السياق، لم تُطرح النيوليبرالية كنقاش فكري أو خيار مجتمعي، بل قُدّمت كحل تقني وحيد، خارج السياسة وفوق الإرادة الشعبية. ما كان يُفرض بالقمع في زمن الدكتاتور، فُرض بعده بلغة الخبراء. وما كان يُمنع بالخوف، مُنع لاحقًا بالعجز المالي.
الاستبداد كان يحكم المواطن بالخوف، أما النيوليبرالية فتحكمه بالحاجة.
الأول صادر الحريات، والثانية تصادر الحقوق.
وكلاهما يلتقيان في نقطة واحدة: إفراغ المواطنة من بعدها الاجتماعي.
بهذا المعنى، لم تأتِ النيوليبرالية بعد الاستبداد، بل خرجت من رحمه، واستكملت مشروعه بوسائل أقل عنفًا وأكثر فاعلية.
النيوليبرالية كمنطق شامل: حين تُسلَّع الحياة
لم تعد النيوليبرالية مجرد خيار اقتصادي، بل تحولت إلى منطق شامل يعيد تشكيل العالم وفق معادلة الربح لا الحاجة، والسوق لا العدالة. إنها تتسلّل إلى كل المجالات: التعليم، الصحة، النقل، الثقافة، البحث العلمي، وحتى الرياضة، محوِّلةً كل ما هو مشترك إلى سلعة، وكل حق إنساني إلى امتياز يُشترى.
بهذا المنطق، لا تكتفي النيوليبرالية بتدمير الخدمات العمومية، بل تمزق النسيج الاجتماعي نفسه، وتقوّض روابط التضامن، وتُعمّق الفجوة بين من يملكون القدرة على الدفع ومن يُدفعون إلى هامش الحياة. والنموذج الأمريكي، في أكثر صِيَغه قسوة، لا يُقدَّم كتجربة قابلة للنقاش، بل كقدر عالمي.
في تونس: الصحة بين الحق والسلعة
في تونس، يتجلى هذا المنطق بأوضح صوره في قطاع الصحة.
لم تعد أزمة الصحة العمومية أزمة موارد أو سوء تصرف إداري فحسب، بل نتيجة خيار سياسي واعٍ، وإن تم التستّر عليه بلغة تقنية ووعود إصلاحية جوفاء: تفكيك تدريجي للمنظومة العمومية، وإخضاع الحق في العلاج لمنطق السوق.
ما يحدث ليس فشلًا عرضيًا، بل إعادة هندسة صامتة لمفهوم الصحة نفسه. لم تعد مسؤولية جماعية، بل عبئًا فرديًا. لم تعد حقًا يُكفَل، بل خدمة تُقتنى. وهكذا يُنقل المرض من المجال الاجتماعي إلى المجال الاقتصادي، ويُختزل الإنسان في قدرته على الدفع.
الدولة: من ضامنة للحق إلى وسيطة للسوق
الدولة، التي يُفترض أن تكون الحارسة الأولى للحق في الصحة، تحولت تدريجيًا إلى مجرد منظِّم شكلي لسوق العلاج. تنسحب من التمويل، تُهمل المستشفيات العمومية، وتتركها تتآكل تحت وطأة نقص الأدوية، وتعطّل المعدات، وهجرة الكفاءات. ثم، وببرودة سياسية، تُقدَّم المصحات الخاصة بوصفها “الحل الواقعي”.
هذا ليس إصلاحًا، بل ابتزاز اجتماعي ممنهج: إضعاف متعمّد للقطاع العام، ثم تحميل المواطن مسؤولية نجاته الفردية عبر قدرته على الدفع.
خصخصة متسللة وقرار بلا محاسبة
ما يجري في تونس ليس خصخصة معلنة تخضع لنقاش ديمقراطي، بل خصخصة زاحفة تُفرض كأمر واقع، دون تفويض شعبي أو مساءلة سياسية. يُترك المستشفى العمومي ينهار، فيُدفع المواطن دفعًا نحو القطاع الخاص.
الأخطر أن الدولة تستثمر المال العام في تكوين الأطباء والممرضين، ثم تسمح — بل تشجّع ضمنيًا — بنزيفهم نحو المصحات الخاصة أو الهجرة، دون سياسة وطنية للاستبقاء أو التوزيع العادل للكفاءات. إنها سياسة تفريغ، لا سياسة إصلاح.
الصحة كآلية للفرز الطبقي
في هذا النموذج، لم تعد الصحة حقًا إنسانيًا، بل أداة فرز اجتماعي. من يملك المال يعيش، ومن لا يملكه ينتظر… أو يموت.
الفوارق الجهوية في أمل الحياة، وفي نسب وفيات الأمهات، وفي فرص علاج الأمراض المزمنة والخطيرة، لم تعد مؤشرات صحية فقط، بل أدلة على عنف سياسي غير معلن.
وفيات الأمهات ليست قدرًا بيولوجيًا، بل فشل دولة.
والمرض لم يعد حدثًا إنسانيًا عارضًا، بل عقوبة اجتماعية.
وهم “حرية الاختيار”
يُسوَّق خطاب “حرية الاختيار” بين العام والخاص بوصفه بديهية ليبرالية، لكنه في الحقيقة كذبة سياسية. أي اختيار هذا حين يُترك أحد الخيارين ينهار عمدًا؟ وأي حرية حين يصبح العلاج مشروطًا بالقدرة على الدفع؟
لا يكون الاختيار حرًا حين تُسحب البدائل العمومية. ما يُقدَّم كحرية ليس سوى تخلٍّ رسمي عن مبدأ المساواة أمام الحق في الحياة.
منطق السوق في مواجهة منطق الحياة
في منطق السوق، المريض زبون، والمرض فرصة، والجسد مجال للاستثمار.
في منطق الدولة الاجتماعية، المريض مواطن، والمرض مسؤولية جماعية، والجسد حرمة إنسانية.
الجمع بين المنطقين دون حدود صارمة ليس واقعية، بل تواطؤ سياسي مع تحويل الألم إلى ربح.
العدالة الصحية شرط للشرعية السياسية
أي دولة تعجز عن ضمان تغطية صحية شاملة قائمة على التضامن والدفع المسبق، هي دولة تُفرغ مفهوم الحق من مضمونه. والحديث عن “الحق في الصحة” دون ضمان فعلي لهذا الحق ليس خطابًا أخلاقيًا ناقصًا فحسب، بل تضليل سياسي.
الدولة التي تقبل بأن يُحدَّد الحق في العلاج بالدخل، تقبل ضمنيًا بأن قيمة الحياة متفاوتة.
وهذا فشل أخلاقي وسياسي لا يُبرَّر بالأرقام ولا بالميزانية، بل لا يُواجَه إلا بشجاعة سياسية تقطع مع الاستمرارية بين الاستبداد والسوق.

 

المشاركة في هذا المقال