Print this page

تفكيك الإسلام السياسي: من المقاربة الأمنية والقضائية إلى الحل الديمقراطي

لنضع الأمور في نصابها بدقة ووضوح، ثم نطوي

صفحة الجدل العقيم؛ فالقضية أعقد وأخطر من أن تُختزل في ردود فعل انفعالية بافلوفية أو شعارات سطحية.

وأنا أتابع الحملة التي يشنّها بعض اليساريين — ممن لم يحرّكهم أصلًا الفصل الخامس من الدستور — على سناء بن عاشور، والمولدي القسومي، وحمادي الرديسي، لمجرّد مشاركتهم في ندوة حوارية، وكأنهم شكّلوا تحالفًا انتخابيًا موحدًا مع المنظمين أو شاركوا في حكومة ائتلافية معهم ، اتّضح لي مجددًا سبب عجز اليسار عن حكم البلاد، وهو عجز ما يزال قائمًا. فالسياسة ليست حلبة لتجارب الصغار أو اندفاع المتهورين واستنفاذ القوى في معارك الالهاء الديموقراطي ، بل مجال مسؤولية يتطلب الحكمة والرشد؛ فهي كالدواء لا يجوز تركها في أيدي الصبية والغوغاء.
موقفي من الإسلام السياسي واضح ولم يتغير: أراه مشروعًا خطيرا يُقحم الدين في صراع السلطة، محوّلًا منظومة القيم الروحية إلى أداة تعبئة وهيمنة سياسية متاجرا بعقيدة الانسان وايمانه . وتجارب شعوب عديدة، حيث تمكّن هذا التيار، تؤكد أنه كان سببًا في انقسامات مجتمعية عميقة، وتراجع مدني، وترسيخ الاستبداد والفساد القيمي اكثر بشاعة وفظاعة من فضائح ابستين ، وإشعال صراعات دينية وطائفية ومذهبية، وما صاحب ذلك من تخلف ودمار، وكلّه باسم المقدّس. وهذه ليست خصومة أيديولوجية فحسب، بل قراءة في المآلات وخطورة المشروع الاسلامي أينما حل.
غير أن توصيف المشكلة لا يكفي؛ فالسؤال الحاسم هو: كيف نواجه هذا الخطر؟
الإسلام السياسي ليس مجرد أحزاب أو تنظيمات، بل بنية فكرية متغلغلة في الوعي المجتمعي، فهو فكرة والفكرة لا تموت ٫ والأخطر أنها فكرة مؤصلة دينيا ٫ حاضرة في مؤسسات الدولة والمجتمع، وفي القوانين، بل وفي الدستور ذاته (الفصل الخامس المؤسِّس لمنطق الدولة الدينية). وهو يتغذّى من المجال الديني، ويستثمر في الهوية والوجدان، ويخلط عمدًا بين الديني والسياسي. لذلك تعددت تجلياته وتشابكت: إسلام سياسي حاكم، وآخر معارض “ديمقراطي”، وثالث تكفيري جهادي، ورابع دستوري، وخامس شعبي عاطفي، وسادس ثقافي… جميعها تلتقي في المنطلقات والغايات، وتختلف في الأساليب: من التوريث، إلى الصندوق الانتخابي، إلى العنف والإرهاب. والمفارقة أن بعض النخب الحداثية تنزلق أحيانًا إلى تبريره أو تبييض رموزه، حدّ اعتبار منظّري التطرف شهداء جديرين بالتبجيل.
لذلك يثبت الواقع أن الحلول الأمنية الصرفة، أو الاستئصال الجسدي، أو الحظر الشامل، أو الاستقواء بالخارج لتصنيفه إرهابًا، أو ملء السجون بالقيادات، كلها سياسات جُرّبت وأثبتت فشلها؛ إذ ضاعفت سردية المظلومية، وحوّلت التيار الاسلامي إلى ضحية في نظر أتباعه، فازداد انتشارًا بدل أن ينحسر. فالفكرة لا تُهزم بالقمع، بل قد يتغذّى وجودها منه.
المدخل الحقيقي والناجع هو المدخل السياسي الديمقراطي: عزل هذا التيار انتخابيًا عبر صندوق ديمقراطي تعددي شفاف، ومنافسته بالبرامج والبدائل المقنعة، لا بمصادرة الوجود أو الإلغاء القسري. أي نقل المعركة من ساحة المقدّس إلى ساحة المصالح العامة الخاضعة للنقاش والمساءلة.
غير أن هذا المسار يقتضي شروطًا تأسيسية واضحة:
أولًا: الفصل الصارم بين الدين والدولة.
فالدين مجال إيمان فردي وقيمي، والسياسة مجال إدارة المصالح العامة المتغيرة. خلط المجالين يسيء إلى الدين بتوريطه في صراعات السلطة، ويفسد السياسة حين يحولها إلى وعظ أخلاقي بدل أن تكون تدبيرًا واقعيًا للشأن العام.
ثانيًا: تجريم توظيف الدين انتخابيًا.
سواء عبر المنابر، أو دور العبادة، أو خطاب التكفير والتخوين، أو احتكار الحديث باسم “الهوية”. فالتنافس السياسي ينبغي أن يقوم على الكفاءة والبرامج وتحسين شروط العيش، لا على توزيع صكوك الإيمان والوطنية.
ثالثًا: توحيد الصف المدني الديمقراطي.
فالتشرذم أكبر هدية تُقدَّم لخصم منظم. المطلوب جبهات انتخابية واسعة ببرامج اجتماعية واقتصادية واضحة، وقوائم موحّدة، ودعم مرشح رئاسي توافقي. عندها فقط يُعاد التوازن للمشهد، ويُدفع الخطاب الديني التعبوي إلى حجمه الطبيعي.
حين يُجرَّد الإسلام السياسي من سلاح القداسة، ويُجبر على النزول إلى أرض البرامج والأرقام، تتكشف محدودية جاذبيته خارج التعبئة الهوياتية، ويغدو تيارًا سياسيًا كسواه، لا وصيًا على الضمائر ولا محتكرًا للحديث باسم السماء.
المعركة، إذن، ليست ضد المتدينين ولا ضد الدين، بل ضد احتكار المقدّس وتسييسه. وهي معركة وعي ومؤسسات وقانون، تُحسم بالديمقراطية لا بالمشانق، وببناء بديل مدني عادل وفعّال، لا بالصراخ الإقصائي.
بهذا الفهم يمكن تفكيك الظاهرة: لا بمطاردتها، بل بتجفيف منابعها السياسية وسحب الامتياز الرمزي الذي تتغذّى منه.
وفي المقابل، تبرز مفارقة مؤلمة داخل بعض الأوساط التقدمية: فئة تكتفي بالتعليق من خارج الفعل، لا تنخرط في السياسة ولا النقابة ولا المجتمع المدني، ولا تشارك انتخابيًا، ولا تبني تحالفات، ولا تدير حوارًا مع المختلفين، لكنها تتقن السخرية من كل من يعمل، وتبرع في التثبيط ووضع العراقيل.
هي لا تنجح في الفعل، ولا تترك غيرها ينجح، وكأن العجز تحوّل لديها إلى موقف، والسلبية إلى فضيلة.
لقد أصبح من الضروري أن ينهض اليسار التونسي من حالة التكلس والعطالة التي ألمت به وتعريف نفسه بالضدية العدمية وأن يتجاوز حدود المراقبة السلبية والتذمر المتكرر، ليخطو نحو الفعل السياسي الجاد والمسؤول. فلا يجب الاكتفاء بالانتقاد واستهداف الخصوم بالتنمر، بل يتطلب الأمر استنهاض القوى، وإعادة بناء مشروع سياسي واضح، يستند إلى رؤية متجددة، ويواجه تحديات الواقع بإرادة حقيقية.
إنّ الزمن الراهن يستدعي مواقف فاعلة تتجاوز الخطابات الجوفاء وتقديس نصوص السلف المتكلسة وتترجم الطموحات إلى سياسات عملية ومبادرات ملموسة. وعليه، ينبغي أن تتحول هذه المرحلة إلى نقطة انطلاق جديدة، يضطلع فيها اليسار بدوره كاملاً كقوة تقدمية تساهم في صياغة مستقبل الوطن،
مستلهماً مبادئ الوحدة والعمل المشترك، ومتسلحاً بالوعي والمسؤولية الوطنية.
إن نجاح هذا التحول يتطلب أكثر من مجرد كلمات؛ إنه بحاجة إلى التزام مستمر وعمل دؤوب، يقود إلى تحقيق الأهداف الوطنية التي ينتظرها الشعب بكل أمل وتفاؤل.
بقلم خالد الكريشي

المشاركة في هذا المقال