Print this page

شوارع نورة عبيد

" في الشوارع كل الحكايات التي

 

فرت هاربة من زوايا البيوت "
إبراهيم نصر الله
---
تقديم :
عرفت القصة القصيرة المؤنثنة بتونس في السنوات الأخيرة ،كما ملحوظا في الأسماء و العناوين،وتحررا لافتا من إسار المبنى القصصي التقليدي ، من خلال منطق سرد جديد لعبي وماتع، ونذكر على سبيل التمثيل : حياة الرايس ،ريم القمري ، آمنة الرميلي ، وهند الزيادي، وتعتبر نورة عبيد من بين هذه الأسماء المؤنثنةالتي تنسج نصوصها القصصية ، مثلما العنكبوت بحذر ودقة ، فالكتابة لديها مصنع للأحلام بكل تناقضاته وجماليته ومغامراته .
ومساهمة منها في تأثيث هذا المشهد بعد تجارب شعرية وقصصية ، صدرت لها أضمومة ثالثة بعنوان " شوارع " ، صدرت عن دار زينب ، وتشتمل على عشرين نصا قصصيا على امتداد 102صفحة،لتقول للقارئ أنا أكتب ، إذن أنا والقصة على قيد الحياة.
استراتيجية العنوان
تعددت وتنوعت أساليب القصاصين في الاهتمام بعتبة العنوان ، التي لا تقل أبدا عن اهتمامهم البنائي بمراحل التكوين الأخرى لبنائهم القصصي، لأن العنوان هو الرأسالعتباتي المدبر ، لذا فإن الكتاب كثيرا مايرومون اختياره حاملا سيميائيا لمنجزهم الإبداعي .
وبناء عليه ، " شوارع " هي العتبة العنوانية التي رشحتها نورة عبيد ،لمدونتها القصصية ويحيل على الطريق الشاسع داخل المدن التي يسلكها المشاة والسيارات ، جاءت جمع تكسير دال على الكثرة المحددة ، مما يجعلنا أمام عنوان يبدو بسيطا جدا في الملامسة الأولى ، لكن القراءة الفاحصة والمصغية لصمت النصوص ، تمنحنا هندسة شديدة الدقة ، تعبر عن شدة الاقتصاد ، وعن أمكنةمكشوفة ، وغير محجوبة ،وأخرى متخيلة، وهذا التنويع والتنكير يوقظ شحنة الفضول لدى القارئ ، لمعرفة أسرار هذ الشوارع التي حجبها العنوان ، وبذلك نكون أمام عنوان بسيط ومفرد ، لكنه شبيه بالرصاصة الواحدة التي تصيب الهدف .
شوارع نورة عبيد
المقبل على مشتمل " شوارع " يلفت انتباهه ، ثمة خيط رابط بين أغلبية العناوين الداخلية للمجموعة القصصية ، هو خيط الشارع كمكان يحتل مرتبة البطولة ، ويحرّك أحداثهاالمتنوعة ، حسب الشخصيات والمواقف والاختيارات ، علاوة على أدائه لوظائف فنية لها علاقة بالعنوان الرئيسي التي علقته القاصة في سقف الدفة الأولى من الغلاف .
وعليه ، جاءت شوارع نورة عبيد مبهجة ، أو مؤلمة وصادمة، وتارة أخرى تتراوح بين شوارع ذات مرجعية واقعية ، ويتوضح من خلال الإحالات المرجعية التي تسمي الشوارع بأسمائها ، ومن الأمثلة على ذلك : شارع الحرية ، شارع الباجي قائد السبسي ، شاعر السعادة ، شارع الدباغين ، شارع علي البهلوان ، شارع السينما .
ثم شوارع متخيلة واستيهامية ابتدعتها القاصة " شارع الحب ، شارع الخلوة ، شارع المنسيات ، شارع الموعين، شارع الغابات " ، تجاوزا للواقع المألوف ، والتحرر من الواقع إلى المتخيل .
الشوارع الواقعية
يعتبر المكان مكوّنا أساسيا في كل عمل سردي، قد يحتل مرتبة البطولة ويحركك أحداثها، لكن الملاحظ هو انتشار أمكنة واقعية في المنجز القصصي " شوارع " بشكل لافت ، وهو أفشت به العتبة العنوانية .وعليه ، إن قارئ قصص هذا المنجز، يتعرف بيسر على شوارع تحيل على أمكنة بأسمائها ، لها حضورها الفعلي في الواقع ، السابق لحضورها في القصة ، وذلك بغاية إيهام القارئ بواقعية ما سيحكى من أحداث ، وهذا من شأنه ، أن يمنح حكي مظهر الحقيقة ، ومن أمثلة ذلك شارع الحرية : " استفاق الناس على صوت منبه سيارة الشرطة المزعج ، المسرعة نحو حاوية الفضلات الوحيدة المنتصبة بشارع الحرية" ص 12.
وأحيانا يتم تحديد بعض الأمكنة تحديدا شبه مفصل وساخر في نفس الآن ،مما يبدد الشك لدى القارئ:" وجهي كل صباح يعبر شارع علي البلهوان ، يسلم على الجرة المزروعة في قلب المدينة ، جرة تجاوز عمرها نصف قرن " ص 61.
أما في قصة " شارع السينما " ، فتتحول عين القاصة إلى كاميرا للمسح الشامل " وفي شارع السينما تجد دار الثقافة ونزلا ومكاتب لمحامين نبلاء جدا ، وعيادات لأطباء شرفاء جدا ، ومطعم ومقاه ومغازات للملابس النسائية والرجالية ، الداخلية منها والخارجية " ص 47.
ومن هذا المنطلق نتعرف معمارية شارع السينما ، بوصفه كيانا جغرافيا وهندسيا ، وبذلك يصبح يتكلم بلغة سينمائية تمنح القارئ تلقيا بصريا ، ومن ثم نكون أمام عين سينمائية حاذقة للقاصة .
وكلما تمعنا في نصوص الأضمومة ،يخرج الشارع عن صمته ليعبر عن الإيديولوجي ، واذا بشارع قائد السبسي ، حمال اختيارات عاكسة لاختيارات ومواقف أيديولوجية ، كامنة خلف السطور .
وهذل ما يتبين لنا من الحوار الدائر بين شخصتي القصة :
"- رحمه الله كان يؤمن راحة البال للشعب وحامه وشاعره ، وشيخه ، فهذه أرضه ، وهذا شارع الأرض شارعه" ص89
وعلى هذا الأساس ، يغدو شارع قائد السبسي فضاء " كاشفا لأدلوجة معينة" حسب يوري آيزنزفايك .
ومجمل القول ، إنشوارع " شوارع " لنورة عبيد ، توهم بالواقع وموافقته ، لكنها تفارقه في نفس الآن ، لأن المكان يستمد كينونته المرجعية من برانية القصة ، ليعاد إخراجه وتأثيثه داخلها فنيا ، حسب وجهة القاصة ومقاصدها ، والدلالات التي ترومها من وراء شوارعها المتباينة والمتنوعة ، واستعداداتها التأويلية المتعددة .
الشوارع المتخيلة
تعتبر الأمكنة المتخيلة " بناء ذهنيا ، أي أنه نتاج فكري بالدرجة الأولى ،أي ليس إنتاجا ماديا ، في حين أن الواقع هو معطى حقيقي وموضوعي" ، ومن ثم انزياحها عن مرجعيتها الواقعية لتصبح في اللامتعين ، وتتخذ من الخيال الذهني ملاذا . يقول حسين خمري .
وبناء عليه ،ابتدعت القاصة نورة عبيد شوارع قصصية متخيلة ، تحمل بصمتها الخاصة ، استناداً إلى شحنة الخلق والابتكار والتجديد لديها ، ويمكن توصيف هذه الشوارع المختلقة بأنّها عبارة عن ملاذاتطلبا للجوء ، بقصد تحميلها رسائل مفترضة للقارئ ، وفتح نوافذها القصصية على عوالم أرحب ، ويمكن أن تندرج هذه الشوارع المتخيلة في سياق فضاءات متعالية، لا تعكس الواقع ولا تقوم على المحاكاة، بل تتمظهر انطلاقا مما تفرضه رغبة أحلامها .
وفي قراءتنا لهذه الشوارع المتخيلة ، نلاحظ أنها غير واقعية ، لكنها تنطلق من الواقع إلى المتخيل ، والناظر في قصة " شارع الغابات"،يلاحظ أن هذا الشارع تحول إلى حيز للموت ، واللصوصية، والاغتصاب ، تقول الساردة على لسان أمها " السادسة شتاء ليل حالك ، والعابر بشارع الغابات الطويل قد يهلك ،والساعة السادسة شتاء مطر وأنواء وقطاع طرق واغتصاب تقول أمها " ص92، وتحققت تخميناتها " فجأة تسقط في بركة تحولت إلى مستنقع ، لا تتذكر إلا أصوات شبان تدفعها إلى السقوط معهم كلبهم ، تذكر أنيابهم وضحكم وتهامسهم " ص 95 .
وما يمكن أن نخلص إليه في هذين الشاهدين النصيين ، هو الاقتراب من ظاهرة النقل المدرسي بالعالم الريفي ، الذي أصبح يؤرق المتمدرسين ، من التعب الجسدي ، والتنقل في أوضاع غير إنسانية ، مما يتطلب شروط السلامة والمراقبة، ضمانًا لحق التلاميذ في تعليم آمن ، ووضع حد لمعاناة تتكررعلى امتداد الموسم الدراسي ، وهذا التفاتة تحسب للقاصة نورة عبيد ، فطالمنا لم يلتفت في المحكي الإبداعي لهذه الفئة المتمدرسة ، القاطنة في المناطق النائية عن المؤسسة المدرسية .
وتنصرف القاصة في قصة " شارع الأقصى " إلى تنزيل القدس حيزا مكانيا شريفا ، ومسرحا للنضال والشهادة والاستشهاد " تهمتي أني قتلت جنديا من جنود الاحتلال الصهيوني حين بادر بإطلاق النار على شيخ وعجوز بساحة القدس الشريفة" ص55، ووضعية ة مزرللأسرى ، من قبيل وضعهم الصحي " لقد استبد قرح المعدة بجسمي وجسدي ، فلم يعد لي من مذاق غير ذبحة القرح بفؤادي ، لم يصدقوا أنت مريض " ص55، وحرمانهم من التطبيب " حين كنت أنتظره خلف الزجاج ، لم يرتق إلى طبيب ، لا يلبس ميدعة بيضاء ، ولا يخمل ما يحمله الأطباء ، لا فحص ولا تشخيص" ص58
على سبيل الخاتمة
مجمل القول ، هذه لحظة قرائية سريعة لبعض من شوارع القصصية للمبدعة والناقدة نورة عبيد ، وهي تمتح من الواقع وامتدادات التخيل ، عبر خطاب جمالي يتجاوب من جدلية اللحظات الاجتماعية والسياسية ، والمعمارية ، وتنتظم وفق دوائر سردية وفق لعبة جمالية الإضاءة والتعتيم ، ولنا عودة لتبنينها الجمالي ، ولأكثر من شارع .
بقلم : عبدالله المتقي (كاتب من المغرب)

المشاركة في هذا المقال