من الخارج و التي تمثل ما يقارب 30 بالمائة من الاستهلاك الوطني وهي تستأثر بما يقارب 60 بالمائة من ميزانية الصيدلة المركزية. فحسب تصريحات مسؤولين بنقابات الصيادلة هنالك نقص حاد أو في بعض الأحيان فقدان تام لمئات الأدوية الحياتية مثل أدوية القلب والسكري وأمراض السرطان.
الصيدلية المركزية تحتكر توريد الأدوية... لماذ؟؟؟
بحسب قانون 1990 المنظم للقطاع الصحي فإن الصيدلية المركزية هي المختصة دون غيرها في استيراد الأدوية. ولكن الصيدلية المركزية أصبحت منذ سنوات تعاني عجزا ماليا وصل حسب بعض التقديرات إلى حوالي1000 مليار. علاوة على ذلك فإن شح موارد الدولة من العملة الصعبة يجعل استيراد العديد من المواد بما فيها الأدوية يواجه صعوبات جمة. علاوة على تراجع الإنتاج المحلي من الأدوية بفعل نقص المواد الأولية في السوق العالمية وارتفاع تكاليف النقل.
ولا يبدو أن هناك حل في الأفق لازمة الصيدلية المركزية نظرا لارتباطها بأزمة مالية دائرية خانقة : فهي لها ديون لدى الصندوق الوطني للتامين على المرض ولدى المستشفيات العمومية التي هي بدورها لها ديون لدى الصناديق الإجتماعية وأطراف أخرى..وكل طرف له ديون لدى الطرف الأخر.
لذلك من الخطإ الإستمرار في نفس النهج. Business as usual.و التفكير في توجهات أخرى استئناسا بالدول الشبيهة. فسواء في أوروبا أو بلدان قريبة منا مثل الجزائر أو المغرب أو مصر أو الأردن فإن توريد الأدوية تقوم به شركات خاصة تحت مراقبة للدولة وقد مكنت هذه السياسة في تلك البلدان من تجاوز أزمات نقص الدواء.
سياسة متناقضة: توريد المستلزمات الطبية حر وتوريد الأدوية محتكر
من الضروري أن نذكر الرأي العام بأن توريد المستلزمات الطبية وهي أكثر دقة وأغلى ثمنا يقوم بها القطاع الخاص منذ فترة طويلة مثل دعامات القلب ومستلزمات وأدوات غرف العمليات الجراحية بجميع أنواعها ومستلزمات أقسام الإنعاش ومستلزمات الأشعة مثل المفراس والتصوير بالصدى والرنين المغناطيسي...كل هذه التجهيزات يوردها القطاع الخاص في تونس منذ التسعينات و لا نلاحظ أن هناك أزمات حادة في التزويد في هذه المستلزمات. فماذا يكون الحال لو أن الدولة هي التي تستوردها؟؟
لقد مكن تحرير استيراد المستلزمات الطبية من توفير كل ما يتطلبه القطاع الصحي التونسي من مستلزمات وتجهيزات تقنية متطورة وأصبحت تضاهي ما نشاهده في مستشفيات البلدان المتقدمة. وهذا يحسب للقطاع الخاص الذي يساهم بصورة هامة في تطوير قطاع الصحة في تونس.
توريد الأدوية من طرف الخواص ليس فيه مخاطر إضافية
عندما يطرح موضوع رفع احتكار الدولة لتوريد الأدوية يجابه بأن هذا قد يشجع توريد أدوية غير مطابقة للمواصفات و يدخل سوق الأدوية في فوضى. علما بأننا الآن و بفعل فقدان الأدوية نشهد فعلا فوضى بفعل نمو السوق السوداء الغير مراقبة و أدوية يتم استيرادها في ظروف غامضة.
وهذا الموقف غير صحيح. فكل دواء مستورد يخضع للموافقة المسبقة من طرف وزارة الصحة وبالتحديد من إدارة الصيدلة و الدواء. ثم أن الأدوية ليست مواد تباع على قارعة الطريق. فالطبيب هو الذي يصف الدواء ويتحمل مسؤوليته في ذلك. ثم إن الصيدلي سواء في المستشفى أو في الصيدلية الخاصة هو الذي يسلم الدواء للمريض وهو مسؤول عن ذلك. وبالتالي فإن الدواء يمر عبر سلسلة رقابة متكاملة تمكن من تلافي التجاوزات.
ولا يتعلق الأمر بإلغاء الصيدلية المركزية و إنما بالسماح للموردين الخواص بمنافستها حسب نفس الشروط و تكون هي موردا مثلهم على أن يتم التحرير تدريجيا ( البدء مثلا بمجموعة أدوية القلب أو السكري أو الاعصاب...) والإنفتاح تدريجيا على بقية المجموعات الأخرى من الأدوية..
لقد أبتت كل التجارب أن القطاع الخاص بما يوفره من سلاسة و نجاعة في التصرف يتمكن من تزويد السوق بصورة منتظمة بالأدوية. علاوة على أن التنافس من شأنه أن يخفض الأسعار ويسهل وصول الأدوية إلى مختلف الصيدليات والجهات. أما بالنسبة لتزويد المستشفيات العمومية فلن يكون هنالك تأثير سلبي. فالمزودون الخواص هم الذي يبيعون حاليا المستلزمات الطبية للمستشفيات العمومية و لهم ديون متخلدة لديها. وكذلك سيكون الأمر مع مزودي الأدوية. فهذا سيشجع المستشفيات على الإسراع بتحسين تصرفها وبخلاص مستحقاتها عوض الإتكال على الدولة و إثقالها بمزيد من الديون.
بقلم: عبد المجيد المسلمي ( طبيب جراح و أستاذ محاضر مبرز)