Print this page

هزيمة الجمهوريين: هل تغير خارطة الحروب الترامبية؟

عاشت الولايات المتحدة والعالم على وقع زلزال

سياسي انتخابي إثر الإعلان عن نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي والتي مني خلالها الحزب الجمهوري والرئيس دونالد ترامب بخسارة مدوية أسفرت عن انتزاع الديمقراطيين السيطرة على غرفتي الكونغرس النواب والشيوخ. ويعود السبب الأبرز لهذا المنعرج إلى التكلفة الباهظة لتبعات الحرب الترامبية ضد إيران، والتي أثقلت كاهل المواطن الأمريكي بفواتير اقتصادية قاسية وتضخم خانق في أسعار الوقود. هذا المنعطف السياسي الجذري لا يتوقف وقعه عند حدود الداخل الأمريكي فحسب بل من شأنه أن يدشّن حقبة جديدة ستترك حتما انعكاسات ارتدادية مباشرة وعميقة على جبهات الصراع الأمريكية -الإسرائيلية الممتدة من  ايران الى غزة ولبنان وغيرها.

ولطالما مثلت انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة المحك الحقيقي والميزان الدقيق لاختبار شعبية الإدارة القائمة، فهذه المحطة الهامة التي تُعقد في منتصف ولاية الرئيس تشكل استفتاء شعبيا مباشرا على سياساته. ولا تقتصر أهميتها الدستورية على تجديد دماء المؤسسة التشريعية برمتها عبر التنافس على مقاعد مجلس النواب وثلث مجلس الشيوخ فحسب، بل تمتد لتمنح الأغلبية الجديدة أدوات رقابية صارمة تمكنها من إخضاع الجهاز التنفيذي للمساءلة وتدقيق الميزانيات. وقد أثبت التاريخي الأمريكي أن هذه الانتخابات شكلت دوما نقطة تحول كبرى تُجبر البيت الأبيض على إعادة توجيه دفة استراتيجياته وسياساته سواء الداخلية او الخارجية. فعندما يفقد حزب الرئيس الأغلبية، تدخل البلاد في مأزق "الحكومة المنقسمة" التي تشلّ القدرة على تمرير القوانين الداخلية، مما دفع بعض الإدارات المتعاقبة تاريخيا إلى الهروب نحو ملعب السياسة الخارجية حيث تمنح الصلاحيات التنفيذية هامشا أوسع للمناورة بعيدا عن تعقيدات التشريع البرلماني.

ففي عام 1994 في عهد بيل كلينتون ، أدت "الثورة الجمهورية" إلى إجبار كلينتون على التخلي عن مشاريع الرعاية الصحية الضخمة والانعطاف نحو الوسطية السياسية لضمان ولاية ثانية. وفي عام 2006 مع جورج دبليو بوش، تسبب غرق الإدارة في مستنقع العراق بإعطاء الديمقراطيين الأغلبية، مما فرض تغييرا جذريا في العقيدة العسكرية واستقالة وزير الدفاع آنذاك دونالد رامسفيلد.

 وفي عام 2018 في الولاية الأولى لترامب، أفرزت سيطرة الديمقراطيين على النواب برئاسة نانسي بيلوسي سلسلة من تحقيقات العزل ومعارك سياسية بسبب الصدام حول رفض الديمقراطيين تمويل الجدار الحدودي الذي طالب به الرئيس دونالد ترامب.

 وتشير قراءات المراقبين واستطلاعات الرأي التي أعقبت سباق نوفمبر 2026 إلى أن الهزيمة الجمهورية جاءت نتيجة حتمية لتصدعات هيكلية وتراكمات معيشية وسياسية بدءا من الاختناق المعيشي والتضخم مرورا بالفاتورة الباهظة للحرب الدائرة ضد ايران والتي تحولت إلى عبء شعبي ونفسي، باعتراف أركان الإدارة نفسها بأنها كانت "المسمار الأبرز في نعش المرشحين الجمهوريين."

كما جسد السباق استفتاء مباشرا على سياسات الرئيس ترامب، لتتهاوى نسب التأیید وتتجاوز نسبة الرافضين لأدائه حاجز الثلثين. ولعل السؤال الأهم هو كيف ستؤثر هذه النتائج على الحروب الأمريكية في الجبهات المفتوحة حول العالم ؟وهل ستقود هذه النتائج ترامب إلى التهدئة الإقليمية أم الى تأجيج الصدام أكثر مع إيران ولكن بطرق وأشكال مغايرة؟

تتباين المقاربات التحليلية حول تداعيات الاهتزاز السياسي لدونالد ترامب على مستقبل الصراع مع إيران حول اتجاهين . فهناك من يرى ان هذه النتائج ستؤدي الى تراجع السطوة المطلقة لترامب وحزبه وتحد من اتخاذ قرارات أحادية متهورة على غرار حزمة "الضغط الأقصى" أو الضربات العسكرية المباشرة لطهران مما يخفض منسوب احتمالات المواجهة الشاملة.

 في المقابل، يذهب خبراء آخرون إلى أن شخصية ترامب وسطوته المستمرة تفرضان ضغطا هيكليا يمنع أي تراجع حقيقي نحو المهادنة. وبحسب البعض، فإن هزيمة ترامب الداخلية ستجعله يبحث عن نصر رمزي خارجي  لحسم الحرب ضد ايران  .  وعلى الصعيد الدولي ، أثارت الهزيمة المدوية لترامب ردود فعل واسعة، فطهران احتفت بالنتائج معتبرة إياها رسالة أمريكية شعبية رافضة للحرب، أما في بكين وموسكو وأمريكا اللاتينية، فتسود حالة ترقب حيال ما سيفعله كونغرس معارض يمتلك أدوات رقابية أشرس لكبح جماح سياسات البيت الأبيض التجارية والخارجية.

ولن تقتصر تداعيات هذا الزلزال الانتخابي على حرب ترامب ضد ايران بل  ستؤثر على الحروب الإسرائيلية في الإقليم خاصة في غزة ولبنان . حيث يتأهب الكونغرس الجديد لطيّ صفحة الدعم العسكري غير المشروط، وتقييد الدعم العسكري لتل أبيب . وفي خطوة استباقية لامتصاص الغضب البرلماني، فاجأ ترامب المتابعين بإعلان وقف المساعدات العسكرية المباشرة لكيان الاحتلال بحلول عام 2027  والتي تقدر بنحو 4 مليارات دولار سنويا لإسرائيل. هذه النقلة النوعية في الدعم الأمريكي التقليدي لكيان الاحتلال من شأنها أن تضع تل أبيب أمام أزمة تمويل هيكلية ستجبرها على البحث عن بدائل محلية باهظة لتغطية نفقات آلتها العسكرية الاجرامية.

أما فيما يتعلق بالجبهة اللبنانية، وفي ظل إقرار القيادة الجمهورية بأن التورط في الحرب الإقليمية وتوابعها كان السبب المباشر للخسارة، يواجه ترامب وفريقه ضغوطا داخلية مكثفة لتخفيض التصعيد في المنطقة بما في ذلك لبنان. هذا المأزق يفرض توجها أمريكيا جادا لكبح جموح حكومة نتنياهو المنتهية ولايتها   منعا لمزيد من الاستنزاف.  

وفي خضم التداعيات، يقف وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث على حافة الهاوية السياسية وسط مطالبات عارمة بعزله أو استقالته. ورغم تمسك ترامب العلني به واعتباره أنه "يؤدي عملا استثنائيا"، إلا أن الكواليس تعج بتصدعات غير مسبوقة، فالديمقراطيون يستعدون لتحريك إجراءات مساءلة برلمانية حادة، مدعومين بنواب جمهوريين ناقمين يعتبرون أن الوزير ضلل البيت الأبيض بتقديرات متفائلة وخاطئة حول قدرة واشنطن على حسم المواجهة مع إيران بسلاسة. وتؤكد تقارير اعلامية أن ترامب نفسه بات يشعر بنوع من التضليل، وسط خشية حقيقية من تحوله إلى رئيس مشلول النفوذ او ما يعرف في الأدبيات الامريكية بـ "البطة العرجاء "في خواتيم ولايته.

إن انحسار نفوذ الجمهوريين وبالتالي البيت الأبيض وتشديد قبضة الكونغرس لا يعني بالضرورة هدوءا تاما في ساحات الصراع، بل  قد يؤدي فقط إلى تغيير في أدوات المعركة . فحين يجد الرئيس نفسه مكبل الأيدي أمام الناخبين والبرلمان، وغارقا في تداعيات التضخم ، غالبا ما تلجأ الإدارات الأمريكية إلى الاستنزاف الرقمي والاقتصادي كبديل منخفض التكلفة وخال من خسائر الأرواح التي تثير غضب الشارع الأمريكي. من هنا، يُتوقع أن يتحول ثقل المواجهة مع إيران وحلفائها من الضربات الساخنة إلى حرب سيبرانية مستعرة تزامنا مع تشديد الحصار المالي والعقوبات الذكية. وهي أدوات قد تمنح البيت الأبيض القدرة على مواصلة الضغط وإرضاء صقور الداخل دون الاصطدام بجدار الرقابة المالية الصارمة للكونغرس أو إثارة أزمات معيشية جديدة تفاقم فاتورة التضخم في الداخل الأمريكي.

وفي الحقيقة فان الفترة الفاصلة بين إعلان نتائج الانتخابات النصفية وبداية عمل الكونغرس الجديد في شهر جانفي القادم تكتسي خطورة بالغة واستثنائية على مستوى السياسة الخارجية والحروب المفتوحة. فخلال هذه المرحلة الانتقالية، يستمر الكونغرس بتركيبته الحالية وبصلاحياته القائمة في ممارسة مهامه بصورة شبه كاملة، بينما تدرك الإدارة ورئيسها دونالد ترامب أن قبضتهما السياسية والتشريعية على المؤسسات وشيكة الأفول. هذا الواقع يفتح الباب أمام نافذة زمنية حرجة يخشى المراقبون أن تستغلها الإدارة لتنفيذ ضربات استباقية أو حسم عسكري واسع النطاق بما في ذلك المخاوف المتصاعدة من لجوء ترامب إلى خيارات قاسية أو ضربات نوعية حاسمة ضد إيران قبل فقدان الأغلبية الجمهورية الحالية، متحررة مؤقتا من قيود الكونغرس الجديد ورقابته الصارمة الوشيكة. وهكذا تتحول هذه الفترة الانتقالية إلى ساحة رخوة قد تشهد أعلى درجات التصعيد العسكري، لفرض أمر واقع جيوسياسي جديد يصعب على الكونغرس اللاحق إلغاؤه أو تقييده لاحقا.

ومهما يكن من أمر، فان ما أفرزته صناديق الاقتراع النصفية من واقع سياسي جديد ستكون له حتما تداعيات  جيوسياسية عميقة وستجعل أية مغامرة عسكرية أمريكية قادمة للإدارة الحالية تصطدم بجدار فولاذي من الرقابة البرلمانية والشروط التمويلية الصارمة التي يفرضها الكونغرس  -وما ورائه من رأي عام أمريكي جديد- يريد طيّ صفحة الاستنزاف الأمريكي الخارجي .

المشاركة في هذا المقال