Print this page

هزيمة ترامب والاحتلال

خلال الساعات القليلة الفارطة، كان الحدث

عالمياً هو الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي والنتائج الأولية التي أفرزتها، وكان عنوانها الأبرز خسارة ترامب/الجمهوريين السيطرة على مجلسَي الكونغرس وثقة الناخبين الأمريكيين، الذين قيّموا رئيسهم والمرشحين عبر عنوانين رئيسيين: القدرة الشرائية والموقف من دولة الاحتلال، التي كانت حاضرة بقوة كملف تساءل عنه الإدارة وحاسبت عليه من قبل ناخبيها.

وهذا ما أقر به نائب الرئيس جيه دي فانس في أولى تعليقاته على الهزيمة الانتخابية، حيث أكد أن «الاستطلاعات أظهرت أن كثيرين صوتوا للديمقراطيين بدافع إنهاء الحرب وتكلفة المعيشة وتغيير علاقاتنا بإسرائيل»، ومن وجهة نظره، يجب الانتباه إلى هذه النقاط في عملية المراجعة التي يدعو إليها صلب الحزب الجمهوري والإدارة.

ما يدركه فانس ويأمل أن يدركه كل «نزيه» في جبهته، كما يصف، هو أن المشهد في «الكابيتول» سيتغير كلياً، لا فقط لأن الأغلبية باتت للديمقراطيين، بل لأن محظورات سياسية وخطوطاً حمراء رُسمت على مدار أربعة عقود من قبل اللوبيات الصهيونية، وأبرزها «إيباك»، انهارت، ومعها انهارت الأسوار التي كانت تحول دون وصول أصوات تطالب بمراجعة المساعدات العسكرية للاحتلال، وتصدح بمواقف نقدية حادة لحكومته وسياساته، وتطالب بإعادة النظر في تصنيف جماعات الضغط المرتبطة به.

أصوات ليست هي الوحيدة المزعجة، بل هي رجع صدى أصوات ناخبين، خاصة الشباب، ممن باتوا يعلنون عن مواقف ناقدة وقاطعة مع الاحتلال، الذين باتوا يطالبون بمساءلة، لا فقط من أجل القضية الفلسطينية وحرب الإبادة، بل لجرّه إدارة ترامب إلى حرب يدفع ثمنها الأمريكيون اليوم في تكلفة معاشهم.

هذا المشهد الجديد لم يأتِ من فراغ، بل هو تراكم منذ حرب الإبادة على غزة، التي تحولت خلالها الجامعات الأمريكية إلى ساحات احتجاج ضد الاحتلال والإدارة في واشنطن، التي طُولبت بإنهاء الدعم العسكري. ومن الشارع انتقل الزخم إلى الكونغرس، الذي باتت فيه الدعوة إلى فرض شروط على المساعدات العسكرية وتسليم الأسلحة للاحتلال عنصراً للفرز في الحزب الديمقراطي، الذي باتت ملفات الغلاء وفلسطين والاحتلال أبرز محاور نقاشاته الداخلية، ومن ثم الانتخابية.

لتكون انتخابات عمدة مدينة نيويورك التي انتهت بفوز ممداني، الوجه الجديد لتيار من الديمقراطيين الذين يصدعون بمواقفهم غير التقليدية تجاه الاحتلال وأولويات إنفاق أموال دافعي الضرائب، وهو ما تكرر اليوم في أكثر من ولاية، ولعل ميشيغان مثالاً واضحاً على هذا النهج والتيار السياسي.

إذ فاز عبد الرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ، بعد مواجهة انتخابية لم تقتصر على منافسه الجمهوري على المقعد، بل جمعته بأهم رجلين في الإدارة الأمريكية اليوم، ترامب وفانس. مواجهة كان فيها الموقف من الاحتلال ودعمه موقعاً بارزاً. لينجح السيد، صاحب الخطاب التقدمي والنقد الحاد للاحتلال، وأحد وجوه التيار الجديد صلب الحزب الديمقراطي، النقاد للاحتلال.

وهذه ليست تفاصيل عابرة. إنها صور عن التغيير الجديد في المشهد السياسي الأمريكي الذي لم يستقر بعد، باتت فيه دولة الاحتلال عرضة للنقد ولطلب المحاسبة ووقف الدعم العسكري وإعادة توجيه المساعدات إلى المدن الأمريكية، والكف عن خوض حروب لا تخدم إلا الاحتلال.

هذا هو المشهد الذي يتشكل اليوم في الساحة الأمريكية؛ لم يخسر فيه الجمهوريون فقط، بل الاحتلال الذي انهار ما راكمه من رصيد ونفوذ في السياسة الأمريكية على مر عقود، وحوّل العلاقة من ملف يحظى بإسناد الحزبين إلى موضوع انقسام حزبي اليوم، بعد أن أعلنها فانس صراحة أن على الجمهوريين إدراك أن من بين أسباب الهزيمة سياساتهم ومواقفهم من دولة الاحتلال.

وهذا قد يكون أهم ما قدمته هذه الانتخابات من نتائج، وهي الكلفة السياسية التي فُرضت على الاحتلال وداعميه من السياسيين الأمريكيين، كلفة لن يكون بمقدورهم التنصل منها أو إلغاؤها، خاصة أن جيل السياسيين والناخبين الجدد اليوم لا يريد أن يتورط في الإبادة والجرائم عبر الدعم العسكري والمالي والتزام لا يخضع للمساءلة والمحاسبة.

لكن هذا لا يعني أن واشنطن تخلت عن الاحتلال أو أنها في طور التخلي عنه، والهجرة إلى فلسطين وتبني قضيتها؛ فالأمر لا يزال في بدايته، عند مرحلة احتساب الكلفة السياسية التي تتحملها الإدارة أو الحزب أو السيناتور لدعمه للاحتلال، وهذا كافٍ، فهو يعلن أن الدعم المطلق وغير المشروط انتهى، وأن فلسطين باتت جزءاً من الحسابات الانتخابية الأمريكية.

وهذا قد يكون من أهم انتصارات فلسطين التي كان يصعب تخيلها قبل 7 أكتوبر 2023.

المشاركة في هذا المقال