Print this page

مشروع ميزانية الدولة 2027: الانتداب بين الوعود والاستحقاق

يعود ملف التشغيل والانتداب العمومي إلى صدارة الاهتمامات

مع ما تضمنه مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 من برمجة 32 ألفا و557 خطة انتداب جديدة بمختلف القطاعات الوزارية، بالتوازي مع ارتفاع نفقات التأجير إلى أكثر من 27.3 مليار دينار، في تطور يعيد طرح واحدة من أكثر القضايا إلحاحا في المشهد الوطني، وهي قدرة الدولة على توفير فرص العمل والاستجابة لمطالب آلاف المعطلين عن العمل، وخاصة أصحاب الشهائد العليا وممن طالت بطالتهم لسنوات، في وقت تتواصل فيه التحركات الاحتجاجية المطالبة بتفعيل القانون عدد 18 وضمان حق الفئات المعنية في الانتداب والإدماج المهني.

تكشف المعطيات الواردة في مشروع الميزانية عن توجه حكومي لمواصلة الانتداب في الوظيفة العمومية والمؤسسات التابعة للدولة، مع إعطاء الأولوية للقطاعات الحيوية التي تشكو حاجيات متزايدة من الموارد البشرية، وفي مقدمتها التربية والصحة والأمن والدفاع. فقد تصدرت وزارة التربية قائمة الانتدابات المبرمجة بـ5855 خطة، تليها وزارة الداخلية بـ4736 خطة، ثم وزارة الصحة بـ4000 خطة ووزارة الدفاع الوطني بـ3704 خطط، فيما خصص لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي 1533 خطة، من بينها 740 خطة لفائدة حاملي شهادة الدكتوراه ضمن قسط سنة 2027. وهي أرقام تعكس حجم الحاجيات المسجلة في المرافق العمومية، كما تؤكد استمرار التعويل على الانتداب لسد الشغورات وتحسين ظروف إسداء الخدمات الأساسية للمواطنين.

غير أن أهمية هذه الأرقام لا ينبغي أن تحجب ضرورة التدقيق في طبيعة الخطط المعلن عنها ومآلاتها الفعلية، باعتبار أن العدد الجملي يتضمن انتدابات جديدة وتسويات لوضعيات مهنية سابقة، بما في ذلك 5663 خطة مخصصة لتسوية وضعية دفعة جديدة من عملة الحضائر الذين تجاوزوا 45 سنة. وهو ما يفرض التمييز بين فرص التشغيل الجديدة التي تفتح أمام طالبي الشغل وبين عمليات الإدماج والتسوية التي تمثل بدورها استحقاقا اجتماعيا ومهنيا لفئات انتظرت سنوات طويلة إنهاء وضعياتها الهشة. فالمطلوب ليس فقط الإعلان عن أعداد كبيرة من الخطط، وإنما ضمان وضوح توزيعها وتحديد شروط الانتفاع بها وآجال تنفيذها، بما يكرس مبدأ تكافؤ الفرص ويقطع مع كل أشكال الغموض والانتظار.

وتتوزع بقية الانتدابات على قطاعات الفلاحة والموارد المائية والعدل والمالية والشباب والرياضة والتشغيل والتكوين المهني والتجهيز والإسكان والشؤون الاجتماعية والثقافية وغيرها من الهياكل العمومية. كما تتضمن البرمجة انتدابات لفائدة حاملي الشهائد العليا، وخاصة الدكاترة الذين لا يزال عدد هام منهم يواجه صعوبات في الولوج إلى سوق الشغل رغم سنوات التكوين والبحث العلمي. ومن هذا المنطلق، فإن تخصيص 740 خطة لفائدة حاملي الدكتوراه في التعليم العالي يمثل خطوة مهمة، لكنه يظل جزءا من معالجة أوسع تتطلب رؤية واضحة لاستيعاب الكفاءات العلمية والحد من نزيف هجرة الكفاءات وتعطيل الطاقات الجامعية والبحثية.

وفي المقابل، تبرز كتلة الأجور باعتبارها أحد أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها في مشروع ميزانية 2027، إذ سترتفع نفقات التأجير إلى 27 مليارا و349 مليون دينار مقابل 25 مليارا و267 مليون دينار مرسمة في ميزانية 2026، أي بزيادة تناهز 2.082 مليار دينار وبنسبة 8.2 بالمائة. ويعود هذا الارتفاع أساسا إلى الانعكاسات المالية للزيادات في المرتبات والأجور بالقطاع العام للفترة 2026-2028، إلى جانب تسوية وضعيات أعوان الحضائر، وبرامج الانتداب والترقية والتسويات المهنية، فضلا عن تعديل نفقات التقاعد.

وبذلك ستبلغ نفقات التأجير نحو 13.7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 13.4 بالمائة مقدرة في ميزانية 2026، فيما ستستقر في حدود 39.7 بالمائة من مجموع نفقات ميزانية الدولة. كما تم ضبط العدد الجملي للأعوان المرخص فيهم إلى موفى سنة 2027 في حدود 692 ألفا و702 عون، وهي مؤشرات تؤكد الحجم الكبير الذي تمثله الأجور في النفقات العمومية، وتطرح في الوقت ذاته تحديات تتعلق بمدى قدرة الدولة على تحقيق التوازن بين تحسين المقدرة الشرائية للأعوان، وتغطية حاجيات المرافق العمومية من الانتدابات والمحافظة على استدامة المالية العمومية.

ولا يمكن النظر إلى ارتفاع نفقات التأجير باعتباره مجرد تطور عددي أو زيادة في الاعتمادات المرصودة، إذ يرتبط هذا التطور بجملة من الالتزامات الاجتماعية والمهنية، من بينها تحسين الأجور وتسوية الملفات العالقة وتوفير الموارد البشرية الضرورية لاستمرار المرافق العمومية، لكن ذلك لا يلغي ضرورة مراجعة طرق التصرف في الموارد البشرية وتحسين توزيع الأعوان بين الإدارات والجهات وتكريس الحراك الوظيفي وإعادة توظيف الإمكانيات المتاحة، بما يضمن نجاعة أكبر في الإنفاق العمومي ويحول الزيادة في كتلة الأجور إلى تحسن ملموس في جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

وفي خضم هذه المعادلة المالية والاجتماعية، يظل ملف المعطلين عن العمل، وخاصة أصحاب الشهائد العليا الذين طالت بطالتهم، أحد أكثر الملفات حساسية ، فبينما تتضمن ميزانية 2027 خططا جديدة للانتداب وبرامج لتسوية الوضعيات المهنية، تتواصل التحركات والاحتجاجات المطالبة بتفعيل القانون عدد 18 المتعلق بأحكام تشغيل من طالت بطالتهم، وسط انتظار استكمال النصوص التطبيقية وتوضيح آليات التنفيذ وضبط الفئات التي يشملها هذا القانون، وهو انتظار لم يعد من الممكن التعامل معه باعتباره مسألة إجرائية عادية، بالنظر إلى ما خلفته سنوات البطالة من أوضاع اجتماعية صعبة .

لقد أصبح من الضروري الانتقال من مرحلة التصريحات والتعهدات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، خاصة أن الإشكال الأساسي لا يتعلق فقط بوجود قانون وإنما باستكمال الإطار الترتيبي الذي يسمح بتطبيقه على أرض الواقع، فعدم صدور النصوص اللازمة أو تأخر ضبط المعايير والإجراءات والمنصة المخصصة للانتفاع من شأنه أن يطيل حالة الانتظار ويعمق فقدان الثقة لدى فئات تعتبر أن حقها في التشغيل لم يعد يحتمل مزيدا من التأجيل، كما أن عدم تحديد العدد النهائي للمستفيدين والاعتمادات اللازمة لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتعطيل المسار، بل يفترض أن يكون حافزا لتسريع التدقيق ووضع برنامج تنفيذي واضح وقابل للمتابعة.

ومن المهم ألا تختزل سياسة التشغيل في الانتداب العمومي وحده، رغم أهميته في القطاعات التي تعاني نقصا في الأعوان، بل أن تتكامل مع سياسة اقتصادية قادرة على خلق مواطن شغل مستدامة في القطاع الخاص وتشجيع الاستثمار والمبادرة الفردية وتطوير التكوين المهني بما يتلاءم مع حاجيات سوق العمل، فالمعضلة لا تكمن فقط في محدودية الانتدابات وإنما أيضا في الفجوة القائمة بين مخرجات منظومة التعليم والتكوين ومتطلبات الدورة الاقتصادية وفي صعوبة إدماج فئات واسعة من أصحاب الشهائد في مسارات مهنية مستقرة.

كما أن التفاوت بين الجهات في فرص التشغيل يظل من المسائل التي تستوجب اهتماما خاصا، إذ لا يمكن أن تكون الاستجابة للحاجيات الاجتماعية والاقتصادية متساوية دون مراعاة الخصوصيات الجهوية ومستويات البطالة وضعف النسيج الاقتصادي في عدد من المناطق، ولذلك فإن توزيع الانتدابات والبرامج العمومية يجب أن يستند إلى مقاربة عادلة تأخذ بعين الاعتبار حاجيات الجهات والفئات الأكثر هشاشة وتضمن عدم تركيز الفرص في قطاعات أو مناطق دون غيرها.

إن مشروع ميزانية الدولة لسنة 2027 يضع الحكومة أمام اختبارا حقيقيا يتجاوز مجرد ضبط الأرقام والاعتمادات، فبرمجة أكثر من 32 ألف انتداب وارتفاع كتلة الأجور إلى أكثر من 27 مليار دينار يفرضان مسؤولية سياسية واجتماعية في حسن التنفيذ والالتزام بالآجال والشفافية في توزيع الخطط، فالتشغيل ليس مجرد رقم يدرج في جداول الميزانية، بل استحقاق اجتماعي واقتصادي ومقياس أساسي لمدى قدرة السياسات العمومية على تحويل الأرقام والالتزامات إلى حلول ملموسة تعيد الأمل إلى آلاف المعطلين عن العمل.

المشاركة في هذا المقال