الى المحكمة الدستورية لا الاعتمادات المالية ولا الاسم، وهذا كاف لمعرفة ان إرساء المحكمة الدستورية سيتأجل سنة اخر على الاقل، ومعه يتأجل استكمال البناء الدستوري رغم مرور أكثر من 4 سنوات على دخول الدستور الجديد حيز النفاذ.
ويقترن هذا الغياب باستمرار تخصيص موارد للمجلس الأعلى المؤقت للقضاء، في حدود 1.5 مليون دينار، بما يعني أن مؤسسة قضائية مؤقتة أُحدثت بمرسوم سنة 2022، ستواصل حلول محل المجلس الأعلى للقضاء، بما يمنحنا مؤشرا صريحا عن توجه السلطة الى الاستمرار في خيارها المتمثل في تأجيل الاستحقاقات الدستورية والدائم بلا أفق واضح. واسقاطه من اولويتها.
وهنا مكمن الخلل، فاسقاط مؤسستين دستوريين - تعتبران ركيزتين أساسيتين في منظومة الحكم وضامنين لحرية واستقلالية القضاء* من قائلة اولويات السلطة يوحي بالكثير. اذ ان المحكمة الدستورية ليست هيئة إضافية يمكن تأجيل إحداثها دون أن يترتب عن ذلك أثر سياسي وقانوني. إنها الجهة التي يفترض أن تضطلع بدور أساسي في مراقبة دستورية القوانين، وأن تحمي علوية الدستور وتمارس الرقابة الدستورية على السلطة وعلى قوانينها ومراسيمها.
وهذا ما يجعل من تأجيل ارساء المحكمة الدستورية وفق ما يكشف عنه مشروع قانون المالية الذي خصصت فيه اعتمادات مالية لجل الهيئات المنصوص عليها بالدستور باستثناء هيئتين، أبرزها المحكمة، مسالة تكتسي اهمية ودلائل سياسية.
اذ ان دستور 2022 رسم بنية السلطة والعلاقات بين المؤسسات، وجعل من المحكمة الدستورية الجهة الوحيدة التي لديها جزئيا القدرة على مراقبة السلطة من خلال منحها صلاحية البت في القوانين والمراسيم وغيابها يترك السلطة دون رقابة.
وهو ما لا يسمح بالتعامل مع تأجيل ارساء المحكمة على اعتباره تفصيل أو تأجيل إداري. بل يفرض النظر للامر على انه مؤشر على طبيعة النظام نفسه الذي يرفض الرقابة استكمال البناء المؤسساتي. خاصة ان وضع الامر في سياق تونسي الذي تتجاوز فيه تداعيات الغياب مسألة الرقابة على دستورية القوانين.
اذ ان المحكمة الدستورية هي الضمان الوحيد لانتظام الحياة السياسية والدستورية في البلاد، نظرا للدور الذي أوكل لها في معالجة أزمات قد تنشأ صلب مؤسسات الدولة. لذلك ومن دونها، نحن لسنا ازاء اختلال المنظومة الدستورية او تعليق بعض مؤسساتها بل إزاء غياب ضامن لاستقرار الحياة السياسية والمؤسساتية في البلاد.
وهذا هو الخلل الأصلي اذ ان غياب الاعتمادات المالية عن مشروع ميزانية 2027 ليس هو الحدث للسنة الخامسة ستواصل الغياب وهو ما يكشف عن ان غياب الإرادة السياسية التنزيل النص الدستوري، سواء كانت الحجة أولويات او اجراءات ادارية، اد يبدو ان السلطة لا ترغب في وجود رقابة دستورية عليها، لأسباب سياسوية. وقد يكون تعديل القانون الانتخابي قبل أسبوع من الانتخابات الرئاسية في 2024 مثلا عن ذلك.
إذ في ظل غياب محكمة دستورية صادق البرلمان في أكتوبر 2024 أيام قليلة عن يوم الاقتراع في الاستحقاق الرئاسي على نقل صلاحية البت في القضايا الانتخابية من المحكمة الإدارية إلى القضاء العدلي، وسوق بعض النواب لهذا التعديل بأنه حماية للمسار والانتخابات بعد ان اصدرت المحكمة الادارية احكام لصالح مرشحين ينافسون الرئيس. وفي ظل غياب المحكمة الدستورية لم توجد جهة يمكن الاحتكام اليها للنظر في دستورية التعديلات والطعن فيها.
وهذا هو ما تفتقده البلاد ومنظومة حكمها اليوم، جهة تحكيمية يمكنها البت في القضايا الجدلية من جهة، ويمكنها أن تمراس الرقابة على السلطة من جهة ثانية، وأن تكون الضامن لاستقرار المشهد السياسي والمؤسساتي لبلاد.