المشاعر لا في فرنسا فقط بل في جل أرجاء المعمورة، فعولمة الصورة والخبر تجعلنا نعيش المآسي، خاصة، وكأنها جدّت على بعد أمتار منا..
رجل لا تعلم عنه كل مصالح الاستعلامات شيئا يقرر أن يقتل أكبر عدد ممكن ممن يعتقد أنهم سود ومسلمين في نفس الوقت، أو على الأقل صفة من هاتين الصفتين في بلدية فيها كثافة نسبية من الفرنسيين غير «البيض»يشبهها سياسيو أقصى اليمين وأذرعتهم الاعلامية غير المباشرة بأنها إمارة إسلامية وأنها «كابول» فرنسا..
لا تخلو بلاد في الدنيا من الجرائم البشعة ولكن لجرائم القتل الجماعي لأسباب عنصرية أو دينية وقع خاص دوما لأنها تكشف أسوأ المكبوتات في مجتمع ما...
قد تكون الجريمة العنصرية حدثا فرديا ولكنها في كل الحالات ليست معزولة عن مناخات تشجع عليها ببث الفرقة والكراهية بين البشر..
تتصرف أحيانا المجموعات البشرية كالجحافل الحيوانية تجاه من تعتقد أنه مغاير لها عرقيا أو إثنيا أو دينيا أو قوميا، الجحافل الحيوانية تطرد «الغريب» ولا تسمح له بالاقامة معها، أما المجموعات البشرية فسلوك بعضها مختلف وتتقاطع فيه مشاعر الخوف والازدراء والرفض والاستعلاء، وكل هذه المشاعر لا تولد بمجرد رؤية المغاير في الفضاء المشترك بل هي متوارثة عبر الأجيال والقرون وعبر مخيال ينزع عن الغريب انسانيته ويشينه ويسقط عليه صورة الشر الماثل في كل شعب وثقافة...
في جلّ الحالات لا تتحول هذه المشاعر إلى عدوانية مادية لا سيما عندما تكون العنصرية مستهجنة عند عموم النخب وتجرمها التشريعات وتمنع من الوصول إلى وسائل الاعلام الجماهيرية (قبل ظهور منصات التواصل الاجتماعي) وكل هذا بالطبع لا يمنع الجريمة العنصرية سواء كانت فردية أو جماعية ولكنه يحاصرها ويضيّق عليها ويجعل منها سلوكا شاذا مستهجنا..
ولكن ما نلاحظه هذه العقود الأخيرة - في دول الشمال والجنوب على حدّ سواء - هو انغلاق هووي تدريجي يسمح بخروج الخطاب المعادي للمغاير «الأجنبي» من عزلته النفسية والمعيارية فيصبح «وجهة نظر» تعبّر عنها أجزاء متعاظمة من النخب في السياسة والاعلام وفي كل الفضاءات العمومية وهي لا تتقدم، عموما، بهذا الوجه القبيح العدواني بل بوصفها دفاعا عن الهوية الوطنية المهددة بهذه «الجحافل» من الأجانب وأننا لا نرفض الأجنبي لأنه أجنبي بل لأنه يرفض قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا ولا ينصهر كلية في تاريخنا،فهو لا يريد الانضمام إلينا فردا وحيدا بلا ذاكرة وبلا تاريخ بل يريد «إقحام» ذاكرته وتاريخه في بلدنا بما سيشوه هويتنا الوطنية..
وبعد هذا تطورت نظريات «الاستبدال الكبير» (Le grand remplacement) في مناطق عدة في العالم شمالا وجنوبا ومفادها كلها بأن احتلال الأمم والدول لم يعد يعتمد على الهجوم العسكري بل على الهجوم الديمغرافي لهذه «الجحافل» القادمة من «الجنوب» والتي تسعى بحكم «تساهل» «السكان الأصليين» إلى أن تتحول من أقلية عرقية ودينية إلى أغلبية بحكم تواتر موجات الهجرة وكثرة توالد هؤلاء الأجانب عندما يستقرون في بلادنا «المتحضرة»..
لقد شهد الانزواء الهووي روافع فكرية عدة في مطلع هذا القرن ولعله بدأ مع الكاتب الأمريكي الشهير صامويل هنتغتون بداية في كتابه «صراع الحضارات» ولكن خاصة في كتابه «من نحن؟ الهوية الوطنية وصراع الثقافات» الصادر سنة 2004 حيث يرى أن الهجرة المكسيكية تمثل خطرا على الهوية الأمريكية الأنغلو سكسونية ورغم أن هنتغتون يؤكد أكثر من مرة في كتابه أنه لا يتحدث عن خطر عرقي بل ثقافي وأنه لا يدافع عن الأنغلو سكسونيين بل على الأنغلو سكسونية ولكن الخوف الانزوائي على الهوية ولّد - بصورة أو بأخرى - هذا الجدار العازل بين الولايات المتحدة والمكسيك الذي جعل منه ترامب في عهدته الأولى محورا مركزيا في سياسته..
لا أحد كان يعير رونو كامي (Renaud Camus) اهتماما يذكر في فرنسا.. هذا الذي كان «يحذر» من «الاستبدال الكبير« وألّف كتابا ضخما صدر سنة 2011 تحت عنوان «الاستبدال الكبير: مدخل إلى الاستبدالية الشاملة» ولكن تسلل هذا المفهوم عبر اريك زيمور في البداية إلى أوساط أقصى اليمين الفرنسي ثم إلى اليمين وأصبح «نظرية» جديرة بالنقاش، نظرية تدعي بداية وصف الواقع من أجل تغييره، أي من أجل ايقاف موجهة الهجرة أولا وطرد ما أمكن من المهاجرين ثانيا واعتبار أن الفرنسيين من أصول افريقية وعربية ومسلمة نوع من «حصان طروادة» في هذا الاستبدال الكبير..
ولقد قام «حزب» في بلادنا بتونسة هذه النظرية واعتبار أن «الأجصيين» كما يسميهم، أي أفارقة جنوب الصحراء يرمون عبر موجات الهجرة إلى تحويل بلادنا إلى «بلاد سوداء» قصد القضاء الديمغرافي أولا ثم المادي ثانيا على «العرب البيض» في شمال افريقيا..
هذا الخطاب العنصري المتفشي تدريجيا في أذهان جزء يتعاظم من شعوب الشمال والجنوب يشرعن - شاء أم أبى - كل عمليات «المرور إلى الفعل» والاستهداف الجسدي لمن يبدو حاملا في لونه أو ملبسه أو هيئته لهذا «الاستبدال»..
إن التنديد بالجريمة العنصرية يكون دون أثر لو اقتصر فقط على إدانة الجريمة في حدّ ذاتها ولم يذهب إلى المناخات الفكرية والنفسية التي هيأت لها..
خطاب الكراهية والعنصرية والتقسيم العرقي أو الديني أو القومي ليس وجهة نظر، إنه المقدمة لجريمة القتل كما الحال في هذه البلدية الفرنسية أو الابادة الجماعية كما الحال في فلسطين المستهدفة في وجودها المادي والمعنوي من قبل الاحتلال الصهيوني في ظل احتجاج خجول ومنافق من قبل كبريات الدول الغربية..
العنصرية خطر ماحق لا يمكن مقاومته بالتستر على أسبابه أو على بعض مقترفيه.