Print this page

احتجاجات الجيل Z : من يملك الحق في المستقبل؟

في 17 من سبتمبر الفارط اندلعت احتجاجات تلمذية

من ضاحية كريتاي محركها الأساسي كان نقص المدرسين وتهور المدارس. ومنها تمددت لتطال العاصمة الفرنسية باريس قبل ان تتوسع رقعة الاحتجاجات لتشمل مدن اخرى، وتتجاوز المطالب ودوافع الاحتجاج اسوار المدارس لتشمل انتقادات أوسع للحكومة وسياساتها.

احتجاجات تجاوزت أزمة التعليم و المطالب التلمذية المباشرة، وكشف عن جيل من الفرنسيين يشعر بالضيم والخوف من لا فقط مستقبل لم يعد مضمون بل من حاضر يشعر فيه جيل زاد بأنه مهمش وان قضاياه وهواجس هي أدوات توظيف في صراع سياسي لا يجد فيه بعض من قادة فرنسا وطيف من مجتمعها ضرا في وصم الشباب المحتج والنظر اليه كخطر يهدد المجتمع والدولة.

هذه الاحتجاجات التي انطلقت من أزمة قطاع التعليم، تجاوزت اليوم هذا القطاع المحدد وبات ينظر إليها من قبل جزء من الإعلام الفرنسي والدولي على انها ثورة شبابية جديدة، شبيه بثورة 68، ثورة ضد التفاوت الاجتماعي وضد النظام الذي وتراجعت الثقة فيه وفي قدرته على توفير فرص عادلة لكل للشباب الفرنسي الذي توترت علاقته اليوم بمؤسسات الدولة وجزء من الطبقة السياسية التقليدية.

قراءة هذه الاحتجاجات على أنها تعبير عن أزمة في العلاقة بين الشباب والنظام والدولة في فرنسا وأن العامل المغذي لها وللغضب كان تعامل الحكومة الفرنسية معها، التي لم تستوعب سياق التحركات الأولى التي انطلقت من المدارس بمطلب ملموس واضح فقابلت لتحركتهم بقوات الأمن التي دفعت ممارستها الى ان يتحول الحراك من احتجاج تلمذي الى احتجاج شبابي يسائل الدولة ومؤسساتها عن الدور المناط بها والمفترض أن تؤديه، ويلتحق بما يعرف اليوم بثورة الجيل زد.

هذا الثورة التي تدين الدولة ومؤسساتها من قبل ابنائها من المدرجين في الشريحة العمرية 14 الى 29 سنة مع اختلاف السياقات والأسباب المباشرة لكل تحرك. ففي بنغلاديش أطلق الشباب احتجاجات على نظام الحصص في الوظائف الحكومية، قبل تطور احتجاجاتهم إلى ثورة سياسية أسقطت حكومة الشيخة حسينة في أوت من سنة 2024، لاحقا بعد شهر تقريبا اندلعت موجة احتجاجية في النيبال على حظر منصات التواصل الاجتماعي وتطورت هي الاخرى لتصبح ثورة أطاحت بالحكومة.

في ذات السنة وفي كينيا، انطلقت احتجاجات ضد زيادة الضرائب، قبل أن تدفع الحكومة إلى التراجع عن مشروع قانون الضرائب، ثم أعلن الرئيس الكيني ويليام روتو إقالة معظم أعضاء حكومته في يوليو 2024. وغيرها من التحركات الشبابية التي انطلقت بمطلب محدد قبل ان تتوسع وتصبح ثورة ضد القواعد التي تنظّم توزيع الفرص والحقوق.

وهذا ما تعيش على وقع فرنسا التي انتقل فيها الاحتجاج من قطاع محدد الى نقاش عن كيفية إدارة المجتمع ومن يتحمل مسؤولية الفشل هل هو "الفرد" ام الدولة التي لم توفر تكافؤ في الفرص بين مواطنيها وبين الأجيال. اذ يبدو ان التحركات لم تعد مجرد احتجاج تلمذي على ظروف الدراسة، بل هي أزمة دولة لم تعد  قادرة على ضمان الحد الأدنى من العدالة وتكافؤ الفرص من وجهة نظر شبابها.

وهذا ما يمنح  الاحتجاجات  الشبابية في فرنسا وفي غيرها، دلالة سياسية  وان اختلفت سياقاتها و أسبابها المباشرة و طبيعة أنظمتها السياسية ونتائجها ومساراتها. فانها جميعا سائلة الدولة وسياساتها لا فقط في ملفات محددة بل في طريقة توزيع الموارد والفرص والاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة.  بما ولّد لحظة سياسية تسائل  البنية الاقتصادية والاجتماعية في الدول التي شهدت تحركات وفي العالم الذي يبدو انه يقبل على ثورة شباب جديدة.

ثورة تختبر العلاقة بين المجتمع وأجياله الشابة التي تنتفض اليوم من أجل امتلاك الحق في صناعة  المستقبل وكسر احتكار طبقة سياسية  تقليدية وهدم صورة نمطية تنظر الى تحركات الشباب على انها  موجة غضب عابرة او "موضة" يطاردها جيل نشأ مع الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي. سرعان ما ينتقل الى حدث جديد.

فما كشفته احتجاجات الجيل زد هو ان المحرك الاساسي للغضب ليس حادثا معزولا بل واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي محلي ودولي تتصاعد فيه الضغوط على الشباب الذي فقد ثقته في المستقبل وفي دولته ومجتمع وبات يبحث عن تغير القواعد التي أعادت إنتاج الأزمة.

جيل يريد ان يمتلك الحق والمساهة في  المستقبل.

المشاركة في هذا المقال