Print this page

تقرير‭ ‬انجاز‭ ‬الميزانية‭ ‬وتوجهات‭ ‬2027‭‬: ‭ ‬تناقض‭ ‬الخطاب‭ ‬والأرقام

كشف التقرير الذي وجهته وزارة المالية إلى مجلس نواب الشعب

في الثاني من أكتوبر الجاري، والذي دمج بين التقرير النصف السنوي لتنفيذ ميزانية 2026 ووثيقة التوجهات الكبرى لميزانية 2027، عن وجود تناقض بين ما تقوله الوزارة في نصها الشارح والمؤطر وبين ما تقوله الأرقام والنسب. ففي شرحها وتفسيرها، تخبرنا الحكومة أننا بخير، وأننا نغادر مربعات الأزمة بخطى ثابتة، لكن أرقامها التي تقدمها تقول إن الأمر ليس كذلك.

ففي الوثيقة التي تخبرنا من خلالها الحكومة أن ارتفاع أسعار النفط والطاقة أسقط جل الفرضيات التي وضعت لسنة 2026، تتمسك في الوقت نفسه بأن تحقيق نسبة نمو بـ2.6% خلال السداسي الأول يعزز توقعاتها بتحقيق نمو في حدود 3.3% لكامل السنة، دون أن تشرح كيف سنضاعف النمو خلال النصف الثاني. فبلوغ الهدف المنشود يتطلب تسجيل نمو يتجاوز 4 نقاط في السداسي الثاني، في وقت سجلت أشهره الثلاثة الأولى متوسط سعر برميل النفط في حدود 98 دولارًا، أي أعلى بخمسة دولارات من متوسط النصف الأول.

هنا لا تقدم الوثيقة حججا لتبرير الخطاب المتفائل بشأن نسبة النمو المستهدفة وتعافي الاقتصاد، ولا تحدد اي محركات ستقود هذا النمو المستهدف، خاصة وان التحسن المسجل خلال السنتين الفارطتين كان مدفوعًا أساسًا بقطاعين، الفلاحة والخدمات وخاصة السياحة والخدمات المتصلة بها، وهما القطاعان الأكثر تأثرًا بانقطاع الكهرباء خلال جويلية وأوت المنقضيين. وهو ما قد يدفع في اتجاه تكرار سيناريو 2023، عندما كان النمو المسجل في نصف السنة الثاني سلبيا.

والمفارقة لا تقتصر على هذا التناقض بين ما تقوله المؤشرات وما تقدمه الحكومة من خطاب متفائل بشأن النمو، بل تشمل أيضًا خطابًا متفائلًا عن التحكم في النفقات وترشيدها والسيطرة على العجز، مقابل أرقام تبين أن الدولة لم تكن قادرة على تحقيق توازن بين نمو نفقاتها ونمو مواردها. ففي التقرير، تخبرنا الوزارة أن نفقات الميزانية خلال السداسي الأول ارتفعت بـ8.9%، مدفوعة بارتفاع نفقات دعم الطاقة وخدمات الدين، في حين لم يتجاوز نمو الموارد الجبائية 2.4%.

ورغم ذلك، فإن الحكومة، في وثيقتها التي تقدم توجهاتها لسنة 2027، تؤكد أنها ستواصل العمل والرهان على تحقيق النمو وتحسين تعبئة الموارد وتقليص الضغوط المالية والتحكم فيها، دون أن تشرح، ولو بسطر واحد، كيف سيتحقق هذا النمو المتوقع، وكيف سيوفر موارد مالية إضافية يمكنها تقليص الفجوة بين الإنفاق والإيرادات.

فما كشفه تقرير الوزارة هو أن الخطاب المتفائل يصطدم بأرقام تكشف محدودية القدرة المالية للدولة، التي ينمو إنفاقها بوتيرة أسرع من نمو مواردها، وتتساقط فرضياتها مع كل صدمة اقتصادية ومالية دولية. فقد بنيت ميزانية 2026 على متوسط سعر نفط يقدر بـ63 دولارًا للبرميل، في حين كان متوسط السعر في النصف الأول من السنة حوالي 92.6 دولارًا، قبل أن يرتفع بخمسة دولارات خلال الأشهر الثلاثة الفارطة. وانعكس ذلك على العجز الطاقي الذي ارتفع إلى حوالي 6.8 مليار دينار. ومع ذلك، فإن فرضيات 2027 بنيت على توقع بأن يتراوح السعر بين 75 و80 دولارًا للبرميل، وهو ما قد لا يتحقق إذا ظل متوسط السعر في حدود 90 إلى 100 دولار أو ارتفع أكثر.

والخشية هنا ليست فقط من ارتفاع أسعار النفط، وإنما من تكرار تجربة 2026 دون استخلاص درس منهجي منها. اذ تسحل مفارقة لافاته وهي ان نصف الاول من النص الشارح يتحدث عن  سقوط الفرضيات جراء المتغيرات الدولية وان العوامل الجيوسياسية باتت عنصر اساسي في الاستشراف، ولكن النصف الثاني له يكرر اخطاء السنة الفارطة، وهي وضع فرضيات تقوم على رقم مركزي واحد، دون اي سيناريو بديل يسمح بامتصاص صدمة سقوط الفرضية الأساسية. 

فالحكومة التي أخبرتنا بالارقام  عن حجم التكلفة المالية لتغيير الفرضيات كررت في توجهاتها الكبرى تقديم فرضيات دون ان تخضعها  للاختبار والقياس، لمعرفة كيف ستتصرف ان انخفضت الأسعار وارتفعت، وكيف ستتعامل مع المتغيرات دون ان يؤثر ذلك جوهريا على أولوياتها وخاصة على  نفقات الاستثمار.

فما تشير إليه الوثيقة هو  محدودية قدرة الحكومة على تنزيل نفقات الاستثمار، إذ لم يتحقق منها خلال السداسي الأول سوى 21%، أي ما يعادل حوالي 1.4 مليار دينار. وتعلل الحكومة ذلك بوجود عراقيل عقارية وتقنية وتمويلية وإجرائية، وتسعى إلى تجاوزها فيما تبقى من السنة، على أن تحقق تقدمًا أكبر في السنة القادمة.

لكن هذا الطموح لا تدعمه في الوثيقة حجج أو خطط واضحة، كما لا يترافق مع استخلاص كافٍ لأسباب التعثر الذي حال دون تنفيذ الاعتمادات المرصودة أصلًا. وهو ما يجعل الحديث عن تقدم كبير في السنة القادمة أقرب إلى تجديد للوعد منه إلى نتيجة تستند إلى تغيير واضح في شروط التنفيذ.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الأهم في قراءة السلطة للمشهد الاقتصادي والمالي في البلاد، كما قدمتها في وثيقتها المرسلة إلى مجلس نواب الشعب. فهي تقوم على خطاب نوايا يسوق للتحكم في التوازنات المالية واستدامة المالية العمومية ويقدمها على أنها نقاط قوة ودليل على التعافي الاقتصادي، وعلى قدرة الحكومة على ترشيد النفقات وتحسين مردوديتها، رغم أن الأرقام الواردة في الوثيقة نفسها لا تقدم ما يكفي لإسناد هذه الصورة.

فالإنفاق نما بأكثر من ثلاثة أضعاف سرعة نمو المورد الجبائي، والاستثمار لم ينفذ منه خلال نصف السنة سوى الخمس ، ومالية عمومية لاتزال  تحت ضغط ارتفاع كلفة الطاقة وخدمات الدين. وخطر الصدمات الخارجية التي لا نمتلك السيطرة عليها. وهذا من من منظور مالي، لا يمكن اعتباره مؤشرا على تحسن بنيوي في التوازنات أو على قدرة فعلية على التحكم فيها، خاصة وأن تغطية الفجوة بين النفقات والموارد تقوم في النهاية على الاقتراض أو على ترحيل الالتزامات المالية للدولة إلى السنوات القادمة.

المشكلة، في النهاية، ليست في أن تتبنى الحكومة قراءة متفائلة للمستقبل، وإنما في أن يحول التفاؤل محل  الأرقام. وتصبح النوايا والتوجهات بديلا للخطط والاستراتيجيات وان نكتفي بتحديد الأهداف لا بتحقيقها وان لا نستخلص الدروس.

المشاركة في هذا المقال