الرواية الرسمية كحقيقة وحيدة تنقل الواقع وتشكّله وفق ما تقتضيه اللحظة والمصلحة، سعيٌ لا يكشف فقط عن هاجس السيطرة على الواقع عبر إعادة التحكم في السرد، بل يعري الخوف والهشاشة أمام الحقيقة التي يواجهها بمحاولات مستمرة للمحو والتعديل والطمس.
فالأخ الأكبر، وإن لم يستطع تغيير الواقع أو التحكم به، فإنه يعتقد باستطاعته التحكم في اللغة التي يوصف بها هذا الواقع وينقل، وبالتالي التحكم به من خلال إحكام السيطرة على السردية، ويبدو أن هذا ما تعتقده أيضا السلطة في تونس، جهويا أو مركزيا، فهي لا تكتفي بإعادة تشكيل الأزمات عبر اللغة، بل تلاحق وتمنع وجود أي رواية مخالفة.
وكان منع قول الحقيقة يمكنه أن يغيّر معاش الناس، أو هذا ما ظنه القائم الأول على السلطة الجهوية بأريانة نهاية الأسبوع الفارط، وفق ما توحي به شهادة للزميلة شيراز نايلي من تعرضها للتهديد والمضايقات أثناء عملها الميداني لنقل ما خلفته السيول من أضرار لحقت بمتساكني منطقة جعفر برواد.
واقعة ليست استثناء اليوم في تونس، فكثيرة هي الأمثلة التي تبين كيف انتشرت ثقافة «الأخ الأكبر» في أروقة السلطة وتخومها، ثقافة تقوم على مبدأ السيطرة على السرد واللغة واعتماد الصمت والإنكار كآلية لمعالجة أية أزمة، طالما لا يمكن السيطرة على الواقع أو تغييره ولا إيجاد حلول آنية للأزمات.
وهذه أزمة أخرى من بين أزماتنا: إخفاء الواقع بديلا عن حله. وهو ما تكرر في الأشهر الأخيرة مرات عدة، وهنا الأمر لا يقتصر على التضييق على الصحفيين ومنعهم من الوصول إلى المعلومات أو مضايقاتهم أثناء العمل الميداني، كما وقع مع مراسلي قناة الجزيرة أثناء تغطيتهما لأزمة توزيع المياه المعلبة في أوت الفارط، وإجبارهما، وفق ما وثقته «مراسلون بلا حدود»، على حذف صور والتوقيع على تعهد يمنع التصوير في المنطقة دون ترخيص مسبق.
هذه الواقعة وغيرها لا تتعلق بما يتعرض له الصحفيون من مضايقات وتعقيدات في عملهم، بل هي في جوهرها تعكس تصورا للسلطة، مركزيا أو جهويا، يقوم على احتواء «الخبر السيئ»، والقصد به هو الخبر الذي ينقل الواقع كما هو، لا كما تسوقه السلطات التي تدرك أن نقل صورة الواقع دون إعادة صياغتها بما يتناسب مع السردية الرسمية خطر ينبغي منعه.
وهذا خطر يتجاوز الصحافة ليطال السلطة نفسها التي تخاف من الخبر السيئ/الواقع، رغم أنها، نظريا، الأكثر حاجة إليه من غيرها، فهي حينما تمنع الروايات المختلفة عنها وتمنع نقل الأخبار السيئة التي تكشف عن خلل أو أزمة وتشرحها كما هي، تقوم بشكل عكسي بإسكات الأصوات القادرة على التنبيه ولفت النظر إلى وجود خلل أو بوادر أزمة، أو نقل الواقع الذي لا تكتفي السلطة اليوم بمنع نقله، بل تمتنع هي عن رؤيته.
وهنا يصبح «الأخ الأكبر» أخطر مما تصوره أورويل. ففي الرواية كان الهدف إعادة كتابة الماضي بما يخدم الرواية الرسمية، أما في الواقع التونسي اليوم فإن السعي هو إعادة كتابة حاضر يعيشه الناس ويخوضون المشاق للنجاة فيه، وإعادة صياغته بما ينكر المشقة بإخفائها من الصورة، التي أخطر ما فيها أن تنتهي السلطة إلى تصديقها، وإسقاط أنها هي من صنعتها.
ما أتته السلطة الجهوية بأريانة من محاولة لإخفاء الأخبار المزعجة هو، في الحقيقة، تجسيد لنهج اتصالي تتبعه السلطة المركزية، يقوم على «أغلق النوافذ حتى تمر العاصفة»، وكأن عدم رؤية العاصفة سيلغيها، أو يلغي ما تجمع من مياه أمام البيت. هذا هو الفخ الذي يمكن أن تنصبه السلطة لنفسها، وهو أن يتحول تحكمها في السرد من وسيلة لإدارة صورة الدولة إلى وسيلة لإعادة كتابة الواقع، بما يحقق خدمة وحيدة، وهي حجب الأخبار السيئة والمزعجة لها.
وهنا، كلما حُجب خبر، اتسعت المسافة بين ما تقوله الدولة وما يعيشه الناس، ومع اتساع تلك المسافة لن تكون المشكلة في غياب الثقة في الرواية الرسمية التي لن تعود قادرة على الإقناع، وحينها فإنها لن تكون قادرة على إدارة شؤون الحكم، ليس فقط لأنها فقدت الثقة، بل لأنها وقعت ضحية لروايتها، فصدقت سرديتها وأنكرت الطوفان.
ففي رواية «1984»، كان الأخ الأكبر يريد أن يمتلك الحقيقة لأنه يريد أن يمتلك الواقع. أما الحالة التونسية، فإن الخشية هي أن تتحول الرغبة في امتلاك السرد إلى فقدان القدرة على معرفة الواقع نفسه، فالدولة أو السلطة لا تحتاج الصحافة لأنها فقط تريد أن يعرف الناس خياراتها وسياساتها، بل تحتاجها، في المقام الأول، لأن تنقل لها ما لا تستطيع الوصول إليه. فالدولة، أيا كانت قدرتها، لا تستطيع أن ترى كل شيء. فهناك دائما مناطق رمادية وظلال لا تصل إليها التقارير الرسمية، ولا ترد في الإحصاءات، بل تتراكم خارج الأطر والرواية الرسمية.
تلك المنطقة التي تتحرك فيها الصحافة لاكتشافها تتسارع اليوم محاولات حرمانها من آخر مساحات ممكنة للعمل، من قبل «الأخ الأكبر» الذي بات بمثابة نموذج ذهني لعزل المجتمع والدولة عن الحقيقة.
فالصمت وإخفاء الحقائق لن يخفي السيول من الشوارع، ولن يخفف من حدة الاحتقان، ولن يعالج إخلالات الإدارة، ولن يحل الأزمات التي تتراكم يوما عن يوم، فهي، وإن اختفت من السردية الرسمية والتقارير ونشرات الأخبار، لن تختفي من حياة الناس، والناس هنا لن تحتاج لمن يشرح لها واقعا تعيشه، فهي تعيش داخله.