Print this page

من مضيق هرمز الى باب المندب إلى أين يتجه العالم مع حرب المضائق ؟

شهدت الخريطة الميدانية في اليمن خلال الأيام الأخيرة

تحولات دراماتيكية غير مسبوقة، تمثلت في انسحاب مفاجئ وغامض لعشرات الآلاف من مقاتلي القوات المشتركة من خطوط الدفاع الاستراتيجية على الساحل الغربي. وأتاح هذا الانسحاب لجماعة أنصار الله (الحوثيين) التمدد السريع للسيطرة على مدينة المخا ومناطق حيوية تشمل حيس والخوخة وذو باب الواقعة على طول الساحل الغربي لليمن، وصولا إلى إحكام السيطرة العسكرية الكاملة على جزيرة ميون أو بريم وجزيرة زقر في قلب مضيق باب المندب.

ولعل أكثر ما يثير التساؤلات في هذه الجولة العسكرية هو الانسحاب الغامض والمفاجئ لأكثر من 30 ألف مقاتل من "القوات المشتركة" من خطوطهم الدفاعية الاستراتيجية. فقد أخلت هذه القوات مواقعها المتماسكة بدءا من الوازعية مرورا بحيس والخوخة وصولا إلى المخا وجزيرة ميون ومضيق باب المندب، وهي مناطق وقواعد عسكرية ومطارات استغرق تجهيزها أعواما طويلة. وفي المقابل، يرجح خبراء عسكريون وجود اختراقات عميقة في شبكات التنسيق والاتصالات أدت إلى هذا التراجع المباغت.

ويمثل هذا الاختراق الميداني حلقة مركزية في الاستراتيجية الإقليمية لطهران، إذ تستخدم ايران ورقة اليمن لفرض سيطرة فعلية على أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة في العالم، تزامنا مع تصعيدها الموازي في مضيق هرمز ومواجهتها المباشرة للعقوبات والضغوط الأمريكية المتصاعدة. وبهذا التحول الدراماتيكي، تنتقل معركة المضائق من إطار التهديد عن بعد إلى مرحلة السيطرة الميدانية المباشرة، مما يضع أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية في مواجهة صراع جيوسياسي معقد يعيد رسم موازين القوى بين واشنطن وطهران.

لقد سجلت خريطة السيطرة في اليمن تغيرات واسعة وسط تصاعد المواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين منذ مطلع جويلية. وأعلنت جماعة الحوثي السيطرة على عدة مديريات في محافظتي الحديدة وتعز بمنطقة الساحل الغربي، إضافة إلى جزر في البحر الأحمر أبرزها جزيرة ميون الاستراتيجية، بما يمنح الحوثيين سيطرة فعلية على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي المقابل، أعلنت القوات الحكومية المدعومة من الرياض تحقيق تقدم في محافظة الجوف الحدودية مع السعودية والاقتراب من مدينة الحزم. وعموما، يسيطر الحوثيون على غالبية محافظات شمالي وغربي اليمن، بما فيها صنعاء. وفي المقابل، تسيطر القوات الحكومية والقوى المتحالفة معها على عدن والمهرة وحضرموت وشبوة وأبين، وغالبية لحج وتعز والضالع، في صراع متصاعد منذ عام 2014 وتدخل التحالف العربي عام 2015.

ما يحصل اليوم في اليمن وباب المندب يؤكد بأن طهران تصعّد من استراتيجيتها من أجل مواجهة الضغوطات الأمريكية والعقوبات الاقتصادية المتزايدة، وكذلك لفرض شروطها في الجولات القادمة من المفاوضات التي ستكون أكثر شراسة. فبعد الصراع على مضيق هرمز، انتقلت طهران – من خلال حلفائها الحوثيين -الى مرحلة التحكم بباب المندب بكل ما يمثله الصراع على المضائق هناك من تهديدات لأمن الملاحة الاقليمي والعالمي وبالتالي لاقتصاديات العالم. ففي ظل الضغوط غير المسبوقة على الساحة الإيرانية، تستخدم طهران ورقة حلفائها الحوثيين كذراع استراتيجية للتحكم في مفاصل الملاحة الدولية. وتشير التقارير إلى أن الدعم اللوجستي والعسكري الإيراني المتقدم -كالطائرات المسيّرة - شكّل رافعة لتمكين الحوثيين من فرض سيطرة ميدانية مباشرة على نقاط جغرافية حاسمة. ويمنح هذا التمدد طهران القدرة على اللعب بورقة الضغط المزدوجة، مهددة بتعطيل التجارة في باب المندب تزامنا مع توترات مضيق هرمز لكسر الطوق الأمريكي.

وفي سياق تعقيد المشهد الدبلوماسي والعسكري، كشفت تقارير صحفية نقلا عن موقع "أكسيوس" أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب مطالبا بشن ضربات ضد الحوثيين، إلا أن الأخير رفض الطلب، مؤكدا توجيهات الإدارة الأمريكية بتركيز القوات على إيران وتأمين مضيق هرمز مع تجنب الانخراط العسكري المباشر وفتح جبهة جديدة في اليمن. وفي محاولة لاحتواء التداعيات، توجه قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأميرال براد كوبر، إلى السعودية لإجراء مباحثات تنسيقية عاجلة، بينما تسعى الرياض بالتوازي لبناء تحالفات دولية لحماية الملاحة.

ويحتل مضيق باب المندب مكانة جيو-استراتيجية فريدة تختلف في طبيعتها عن مضيق هرمز، رغم تقاطعهما في التأثير على أسواق الطاقة. اذ يمثل باب المندب حلقة الوصل الجنوبية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتمر عبره نسبة هائلة من التجارة العالمية والشحنات الملاحية بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. وتكمن فرادة السيطرة عليه في تضمنه لجزر استراتيجية مثل جزيرة ميون، التي تقع في قلبه لتشرف مباشرة على الممرين البحريين، أي الممر الشرقي والذي يُعرف أيضا بـ "باب إسكندر"، ويقع بين الجزيرة والبر اليمني الرئيسي الأهم والأنسب لحركة السفن والملاحة الدولية. إضافة الى الممر الغربي الذي يقع بين الجزيرة والساحل الأفريقي (جيبوتي وإريتريا)، مما يتيح فرض هيمنة نارية ومراقبة دقيقة لكل سفينة عابرة، متحولة إلى قاعدة عسكرية متكاملة.

أما مضيق هرمز، فيؤثر بصورة مباشرة على إمدادات الطاقة العالمية ونقل النفط الخليجي نحو الأسواق الآسيوية والغربية، حيث يُعد المنفذ البحري الوحيد لإنتاج النفط من الخليج. وعلى النقيض من باب المندب الذي يشكل ممرا للتجارة المتنوعة، يمثل هرمز "صمام الأمان" لأسواق النفط، فأي تهديد لإغلاقه يتسبب فورا بصدمات تتمثل في قفزات حادة في أسعار نفط خام برنت متجاوزة عتبة المئة دولار للبرميل، لتصبح حرب المضائق برمتها السلاح الأشد فتكا في صراع الإرادات الدولي بين طهران وواشنطن.

ويحمل التصعيد العسكري الأخير في مضيق باب المندب والساحل الغربي لليمن تداعيات جيوسياسية واقتصادية واسعة النطاق. فعلى المستوى الإقليمي، تشكل سيطرة الحوثيين على مواقع هامة مثل مدينة المخا وجزيرتي ميون وحنيش تهديدا مباشرا لأمن الرياض خاصة والخليج وإمدادات الطاقة بصورة عامة، لا سيما مع إعلان "حصار بحري" يستهدف الصادرات السعودية وتأثر خط أنابيب "شرق-غرب" بضربات مسيرة. وفي مصر دفعت المخاطر المحدقة بحركة الملاحة في قناة السويس وأمنها القومي القاهرة إلى تشكيل "خلية أزمة" طارئة، بينما تعيش دول القرن الأفريقي حالة استنفار أمني. أما دوليا، فقد أدّى هذا الاختراق إلى مأزق في سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع ارتفاع كلف الشحن والتأمين وتحول السفن نحو رأس الرجاء الصالح، مما قد يدفع نحو عسكرة البحر الأحمر وتفعيل التحالفات العسكرية الدولية للتعامل مع هذا التهديد المباشر لأمن التجارة العالمية.

وبالموازاة، سلط تحليل لصحيفة "صاندي تايمز" الضوء على الكابوس الكارثي الذي يخيم على الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة جراء التقدم الخاطف للحوثيين وسيطرتهم على باب المندب، والذي ترافق مع هجمات مسيرة استهدفت منشآت الطاقة الحيوية وإغلاق خط أنابيب النفط (شرق-غرب) في السعودية. وأشار التحليل إلى أن هذا الانهيار المفاجئ للقوات الحكومية  يعود أيضا إلى تصدعات وخلافات بنيوية بين الأطراف المناهضة للحوثيين، مما منح حلفاء إيران مكاسب ميدانية هائلة تضع العالم أمام معادلة أمنية واقتصادية بالغة الخطورة.

ويطرح التساؤل اليوم حول امكانية لجوء الرياض الى "حلف مكة" كمظلة ردع ودعم عسكري في مواجهة هذه التطورات، بينما تقف واشنطن أمام معضلة استراتيجية بالغة الدقة بين الرغبة في احكام السيطرة على مضيق هرمز وبالتالي على الملاحة الدولية ومنع انهيار أسواق الطاقة، وبين مخاوف الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة النطاق متعددة الجبهات تمتد من اليمن ومضيق هرمز إلى جنوب لبنان.

ان كل هذه التطورات تؤشر بوضوح الى نهاية مرحلة الأزمات المنفصلة، لتؤسس لمرحلة جديدة تصبح فيها سيادة المضائق البحرية السلاح الأبرز في هذا الصراع المتواصل والممتد بين واشنطن وطهران بكافة الأشكال والمستويات وبكل ما يحمله من تهديدات إقليمية ودولية. ويبقى التساؤل الأهم اليوم هو ماذا بعد معركة باب المندب وهل ستفرض كل هذه التحولات الكبرى التسوية النهائية بين إدارة ترامب وايران؟

المشاركة في هذا المقال