عن قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات، ومنحت سفيرها مهلة بـ48 ساعة للامتثال للقرار، الذي قالت إنه ينهي سياسة ضبط النفس التي اعتمدت في إدارة الخلافات بين البلدين في عدة ملفات إقليمية، وصراع نفوذ بين البلدين، في ظل تلميح جزائري بتدخل إماراتي في مجالها الأمني الحيوي، والذي تعتبره الإمارات مجالًا مفتوحًا لحركتها السياسية والاقتصادية والأمنية.
قرار يبدو أن أزمات السنوات الأخيرة هي من قادت إليه، وقادت إلى أن تراجع الجزائر تصنيفها للإمارات، لا كدولة خليجية بعيدة تتقاطع معها أحيانًا في بعض المواقف الخارجية، بل كدولة لها علاقات دبلوماسية مع الاحتلال، ولها نفوذ مالي واقتصادي وسياسي، وأدوات عدة للتأثير في سير ملفات تمتد من ليبيا إلى السودان، إلى الساحل والصحراء، المجال الحيوي للأمن الجزائري.
هذه المراجعة جعلت من حضور الإمارات في ملفات المنطقة أكثر حساسية بالنسبة إلى الجزائر، التي بنت سياستها الإقليمية على فكرة أن جوارها المباشر لا يحتمل وجود لاعبين خارجيين يتحركون بحرية كاملة، ولا يحتمل وجود قوتين إقليميتين. وهذا ما برز في الملفات الإقليمية الراهنة التي تعالجها الجزائر على اعتبار أنها ملفات أمن قومي، وليس فقط أمنًا حدوديًا.
وهو ما جعلها تنظر إلى تحركات الإمارات في ليبيا عبر دعم خليفة حفتر، وتحالفها القوي مع المملكة المغربية، ووجودها المتنامي في دول الساحل والصحراء، وتدخلها في عدة ملفات تعالجها الدولة الخليجية وفق طموحها الباحث عن بسط النفوذ وترتيباته في شمال إفريقيا، والبحث عن أن تكون ذات تأثير ووزن إقليمي في المنطقة، رغم أنها من خارجها.
وهو ما جعل الجزائر تتعامل مع الإمارات بشك، وتغير من قراءتها للتوسع الإماراتي في المنطقة، وهذا سرعان ما قاد إلى القطيعة. ولا يمكن القول إن ملفًا وحيدًا أو حادثة واحدة يمكن وضعها باعتبارها لحظة الانفجار؛ فالمحطات التي كشفت عن خروج الخلاف بين البلدين من الغرف المغلقة للدبلوماسية إلى العلن والرسائل المشفرة، لم تنطلق مع بداية التطبيع، ولا مع الدور الذي لعبته الإمارات لتطبيع العلاقات بين المغرب والاحتلال، بل كانت منذ جانفي 2024، حينما أعلن المجلس الأعلى للأمن الجزائري عن «أعمال عدائية» صادرة عن دولة عربية دون تسميتها.
هذه الدولة، وإن لم يقع الكشف عنها، إلا أن الإعلام الجزائري المقرب من السلطة كشفها، ودخل في مواجهة إعلامية مباشرة، أُعلن فيها بشكل صريح أن العلاقات بين البلدين تتجه إلى الأزمة. وهو ما تأكد بإعلان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في أكتوبر 2025 عن دولة خليجية تتدخل في الشأن الجزائري وتسعى إلى إحداث الفوضى، لتتوالى منذ تلك اللحظة الخطوات في اتجاه القطيعة وتقليص التعاون الاقتصادي بين البلدين.
قبل أن يُعلن في سبتمبر الجاري عن قطع العلاقات، ونقل الخلاف بين البلدين إلى مساحات جديدة، في ظل مشهد إقليمي وقاري متغير بسرعة، تتقاطع فيه الحدود الجغرافية للجزائر مع النفوذ السياسي والموارد والشبكات التي نسجتها الإمارات في المنطقة، أضف إلى ذلك الحضور الروسي المتزايد في الساحل، والتحرك المغربي باتجاه غرب إفريقيا، والمصالح الأوروبية في الطاقة والهجرة والأمن.
وهذه هي مساحات إدارة الصراع اليوم بين البلدين، اللذين يبدو أن كلًّا منهما سيوظف أدواته لإدارة صراع النفوذ، مع تجنب رفع كلفة الأمر، لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي من الملف الليبي إلى قضايا الساحل والصحراء، اللتين تنظر إليهما الجزائر على أنهما ملفات داخلية تتعلق بأمنها القومي وبمجال حيوي لا يسمح بوجود نفوذ خارجي فيه، خاصة من الإمارات، التي تواصل بناء نموذج نفوذ يقوم على الحركة السريعة وتعدد الأدوات والشراكات.
مشهد، لا تبدو فيه القطيعة نهاية للخلاف بقدر ما تبدو انتقالا به إلى مرحلة أخرى، تتراجع فيها القنوات الدبلوماسية المباشرة، وتتقدم أدوات النفوذ والحسابات الإقليمية. فالمواجهة بين البلدين ستُدار على الأرجح في المساحات التي تحيط بالجزائر أكثر مما ستُدار بين الجزائر وأبوظبي مباشرة، من ليبيا والساحل إلى غرب إفريقيا، حيث ستختبر كل دولة قدرتها على حماية مجالها الحيوي وتوسيع هامش حركتها.
هنا الرهان سيكون مدى قدرة الجزائر على فرض حدود لنفوذ تعتبره متجاوزًا لمجالها الأمني، وإلى أي مدى تستطيع الإمارات مواصلة بناء حضورها الإقليمي في ظل صراع مفتوح مكشوف مع الجزائر.