Print this page

البيان الثلاثي : ماذا بعد؟

في البيان المشترك الذي جمع الاتحاد العام التونسي للشغل

والهيئة الوطنية للمحامين ورابطة الدفاع عن  حقوق الإنسان لا تكمن الأهمية في  العبارات التي تضمنها ولا فيما قالت هذه المنظمات. بل في ماذا بعد، اي ماهي الخطوة القادمة لهذه المنظمات لتجسد ما اعلنته في بيانها من احداث الية تنسيق ومواقف سياسية، ذلك هو الأهم لأنه سيحدد أفاق مبادرتها السياسية .

فالبيان الثلاثي الذي وصف الأزمات الاجتماعية والاقتصادية  في تونس توجه مباشرة للسلطة وحملها  المسؤولية المباشرة عن ما باتت عليه الأوضاع من تدهور تتجاوز اسبابه تراكم الأزمات ظرفية  وتتصل مباشرة بالخيارات والسياسات العمومية التي  لم تنجح في معالجتها بل وحالت دون مناقشتها والبحث عن حلول لها في ظل  تراجع الحقوق والحريات وتضييق على العمل السياسي والنقابي والغاء الحوار.

هذا البيان كان منصة لاعلان الثلاثي عن اعتراضه الصريح اليوم على طريقة  إدارة البلاد خلال السنوات الخمس الاخيرة، التي تفاقمت فيها  الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وترابطت،  وبلغت مرحلة لم يعد من الممكن معالجتها دون مراجعة شاملة وفتح المجال للحوار السياسي.

ما يقوله البيان هنا بين اسطره ان الثلاثي بات يرفض ان تستمر إدارة البلاد دون حوار وتشاركية، وللخروج من هذه الوضعية يستعين الثلاثي وارثهم وثقلها ليعرضوا أنفسهم اليوم لا على السلطة كشركاء بل للشارع على أمل استعادة الثقة والثقل، وهي خطوة قد تكون مهمة للثلاثي بدرجات متفاوتة، لاعادة التموضع في المشهد السياسي اليوم.

تموضع ينطلق باعلان عن بعث إطار تنسيقي يضم المنظمات الثلاثة ولكنه مفتوح لكل القوى الحية والديمقراطية التي تريد ان "تفتح أفق وطني جديد"، وهذا هو الرهان الفعلي للمنظمات التي لا يستمد إطارها التنسيقي اهميته من مجرد الإعلان عنه، وإنما بما سيترتب عنه وقدرته على ان يتوسع وترسيخ ارضية مشتركة بين مكوناته.

وهذا ما يجعل من المنظمات الثلاثة وخاصة الاتحاد، امام اختبار استعادة  ثقة الشارع والنخب السياسية التي لن يكفي بيان مهما ارتفع سقف في حشدها واقناعها ما لم تمتلك هذه المنظمات القدرة على الانتقال من القول الى الفعل، اي ان تحث خطاها لتركيز اطارها التنسيقي وان تتجنب قدر الامكان اخطاءها السابقة التي ادت لتعثر كل محاولات التقارب والعمل المشترك خلال السنوات الثلاثة الفارطة.

هنا يكمن التحدي الفعلي، وهو قدرة المنظمات على ان تركيز هذا الإطار لا كإطار ثلاثي بل كاطار واسع  ومفتوح يمكنه ان يضم طيف واسع من التيارات السياسية ومن المنظمات التونسية، وان يكون رقما جديد في المشهد يمكنه ان يغير من المعادلة السياسية الراهنة .

رهان ليس بالسهل خاصة في  مشهد سياسي  تفكك فيه الاجسام الوسيطة وفقدت قدرتها على الحشد والتعبئة. وهو ما يجب على المنظمات واطارها التنسيقي ان تتجاوزه، لا فقط عبر التنسيق والتحركات المشتركة بل في وضع اسس لبناء سياسي مختلف عن ما عرفته تونس في السنوات الماضية، كشرط موضوعي لضمان حظوظ اوسع في الشارع.

فالثلاثي ومبادرته اليوم لن ينتظر منهما اعادة  إنتاج تجربة «الرباعي» أو تجارب الحوار الوطني بصيغه المختلفة ، وإنما بناء إطار يمكنه السماح بالاتفاق على الحد الادنى المشترك و استقطاب قوى اجتماعية ومدنية وسياسية لكسر الدائرة المغلقة التي تعيش على وقعها الساحة التونسية منذ سنوات.

وهذا شرط أساسي لنجاح هذه المبادرة التي لن يكون عدد المنضمين اليها اهمية ما لم تمتلك هذه المنظمات القدرة على كسر الجدار بينها وبين الشارع،  وتقنعه بالالتحاق بها  في مساحة سياسية جديدة قادرة  على جمع قوى متباينة حول حد أدنى سياسي واجتماعي واقتصادي.

والوصول إلى هذه النقطة يحتاج إلى تراكم سيكون على الثلاثي تحقيقه للوصول الى صيغة للعمل المشترك خارج الاصطفافات التي حكمت السنوات الأخيرة، فدون ذلك هو ان يستمر المشهد ذاته مع متغير وحيد وهو نشر بيانات مشتركة للثلاثي تنتهي صلاحيتها بالاعلان عن موقف سياسي او لقاء جديد.

وهذا هو التحدي الفعلي الذي تواجهه المنظمات الثلاثة، فالفرق كبير بين أن تجتمع هذه القوى وتعلن موقفها السياسي او اعتراضها، وبين أن تنجح في تركيز  إطار جامع يمكنه ان يتطور ليكون قوة ضغط لا يمكن ان يقع تجاهلها.

المشاركة في هذا المقال