تمتد طوابير الانتظار لمئات من التونسيين، وكلما طال الانتظار ثقل وقع سؤال وحيد، لماذا يقبل التونسيون بهذه المعاناة ولا يشربون من مياه الحنفية؟ سؤال يبين أن ازمة المياه المعبأة ليست إلا الشجرة التي تحجب الغابة.
أزمة المياه في تونس لا تختزل اليوم في ضعف المعروض من قوارير المياه المعلبة مقابل ارتفاع الطلب الموسمي بل هي مركبة جزء منها يتعلق بطبيعة الانتاج والتوزيع والتخزين وعدم الاستعداد لموسم الذروة، وجزء آخر وهو ما يمكن اعتباره اصل الازمة وهو ان التونسيين يفضلون خوض الأهوال للحصول على ماء معبأ على استهلاك الماء الصالح للشراب من الشبكة العمومية.
هذا التفضيل يكشف عن حقيقة وحيدة وهي ان التونسيين لا يثقون بجودة المياه الصالحة للشرب وبالتالي فإن استعمالهم لها لا يتضمن شربها، فما تقدمه لنا نتائج المسح العنقودي متعدد المؤشرات MICS 2023، هو ان 95.8% من التونسيين لهم ولوج لخدمة مياه الشرب العمومية، ولكن رغم ذلك فان متوسط الاستهلاك السنوي للمياه المعبأة هو 244 لتر وهو أعلى في العالم.
هذه الصورة تكشف لنا ان التونسيين رغم ربطهم بشبكة المياه العمومية الا انهم لايثقون كثير في جودة مياها ولا في انتظام خدماتها، وهذا ينعكس بشكل مباشر على قدرتهم على توفير مياه الشرب، فسبعة من كل عشرة أسر تتوفر لديها مياه الشرب بكميات كافية، وفق نتائج المسح MICS ، وتنخفض الرقم الى 5 اسر من كل 10 لدى الأسر الأكثر فقرا.
ارقام تكشف لنا اننا ازاء ازمة أعمق وأعقد من ان تختزل في قطاع المياه المعبأة، هي ازمة منظومة المياه برمتها، التي باتت فيها التونسييون ينفقون اكثر لضمان الحصول على مياه شرب يثقون بها، خاصة وان نتائج التحاليل المخبرية الواردة في التقرير الصادر سنة 2024 تبين ان هناك إشكالات في نوعية المياه عند نقطة الاستهلاك. (الصنبور)
فقد سجل المسح وجود "بكتيريا الإشريكية القولونية في عينات مياه الشرب لدى 29.3% من الأسر التي خضعت للاختبار. وهذه النتيجة لا تعني أن 29.3% من التونسيين يشربون ماءً ملوثًا، ولا تسمح بالقول إن مياه الشبكة العمومية غير صالحة للشرب بصورة عامة. لكنها تكشف، أن سلامة المياه عند وصولها إلى الأسرة ليست مضمونة بالدرجة نفسها في كل الحالات، وأن هناك تفاوتًا في نوعية المياه وجودتها وهذا يشرح ضمنيا تراجع ثقة التونسيين في مياه الصنبور.
وتتضح الصورة اكثر عندما نلاحظ كل المؤشرات ومنها مؤشر مياه الشرب المؤمّنة ( المياه التي يفترض أن تكون متاحة وخالية من التلوث وتُدار بصورة آمنة). حيث تتجاوز النسبة الوطنية 48.5%، وفق نتائج المسح، مع تفاوت حاد بين الوسطين الحضري والريفي وبين الأسر حسب مستواها الاقتصادي. لنكون أمام أرقام لا تثبت أن ماء الحنفية في تونس غير صالح للشرب. بل تبين لنا ان حزمة مؤشرات موضوعية تراكمت لتنتج أزمة الثقة .
أزمة لا يمكن تعالج ببيانات تؤكد جودة المياه في محطات المعالجة، فما يهم التونسيين هو جودة الماء الذي يصل إلى منازلهم بعد عبوره شبكة طويلة، تؤكد البيانات الرسمية أنها مهترئة، وتكشف التحاليل المخبرية لعينات منزلية، عن إشكاليات مسجلة في مؤشرات مرتبطة بجودة المياه. إلى جانب التجربة اليومية للتونسيين من انقطاعات وتفاوت في الجودة والملوحة… وغيرها من العناصر التي توفر أساس موضوعي لمخاوف تغذي السلوك الاستهلاكي التونسيين وتوجههم الى المياه المعلبة باعتبارها خيارا أكثر طمأنينة.
هذه هي الأزمة التي نشأت عندما اضطر التونسيين لتعويض مياه الشرب بالمياه المعبأة ، واليوم نحن أمام تمظهر جديد لها يعبر عن نفسه بأزمة تزويد السوق الذي يقدر الطلب به في فترة الذروة تتجاوز الـ10 مليون لتر فيما ان الطاقة القصور للانتاج لا تقترب من ذلك، فقدرة القطاع برمته عند تسخيره لكامل طاقته تقدر 520 ألف قارورة في الساعة ان لم يسجل اضطراب في الانتاج.
وساء سجل الاضطراب كالذي ينتج عن انقطاع الكهرباء خلال هذه الصائفة ام لا فان الطاقة الانتاجية اليومية القصوى للقطاع لا يمكنها أن تلبي حاجيات السوق في موسم الذروة، وهذا ما انتج الازمة الراهنة التي هي نتاج لازمة شكبة المياه العمومية .
ازمة لا يمكن معالجتها بزيادة إنتاج المياه المعلبة او مراقبة توزيعها وتدخل الدولة ومؤسساته في تنظيمه، بل باستعادة ثقة التونسيين في شبكة المياه العمومية، وهذا يستوجب إصلاحات كبرى لشبكة ومراقبة لجودة المياه لا في محطات المعالجة بل في نقاط متعددة تتضمن مراقبة الجودة عند نقطة الاستهلاك.