Print this page

استئناف السياسية في تونس: احتقان متصاعد

تستأنف تونس سنتها السياسية وهي محمّلة بملفات مؤجلة

وأزمات لم تُحلّ، واستحقاقات تفرض نفسها على الجميع، وتضفي مسحة من الغموض على المشهد الذي يرتفع فيه منسوب الاحتقان، وتفتح فيه البلاد على عدة احتمالات.

فالسنة السياسية تستأنف في ظل تراكم أزمات وملفات اجتماعية لم تعد منفصلة عن المشهد السياسي وملفاته، من الاقتصاد والمالية العمومية ووضع المؤسسات العمومية، والملفات الاجتماعية والمهنية، إلى جانب الوضع السياسي والحريات والقضاء وعلاقة السلطة بالمعارضة. وكلها ملفات، وإن كانت في ظاهرها منفصلة، إلا أن بعضها بات يتقاطع.

فما أُجّل من ملفات في السنوات الفارطة أو تمت معالجته جزئيا بات اليوم متراكما. حتى تلك الملفات التي كانت في ظاهرها بعيدة عن السياسة، باتت اليوم محددًا رئيسيًا فيها، وهي ملفات تتعلق بالمعيشة وقوة التونسيات والتونسيين، وستحدد ملامح السنة الجديدة.

فهذه هي محرك العمل السياسي: الملفات التي تمس الحياة اليومية مباشرة، من الماء والكهرباء وغلاء الأسعار، وتردي خدمات النقل والصحة والتعليم، التي باتت مرشحة لأن تصبح قضية سياسية حارقة، ترفع من منسوب الغضب في الشارع، وتدفعه للاحتجاج.

فما كشفته الصائفة التي نقترب من توديعها هو أن الملفات الاجتماعية والمعيشية هي من باتت تحرك المشهد السياسي في البلاد، والاحتجاجات التي عشناها في هذا الصيف هي الأشد خلال السنوات العشر الفارطة، وهذا ما يجعل السلطة اليوم أمام حتمية أن تستقبل سنتها السياسية الجديدة بمنجز ونتائج تخفف بها من حدة الاحتقان وتنقي مناخ سنتها الانتخابية.

وهو ما يترك السلطة اليوم أمام اختبار جدي يسائل قدرتها على تحويل السيطرة السياسية المطلقة إلى نتائج ملموسة وحلول لما تراكم من ملفات عالقة لم يعد بمقدورها أن تؤجل حسمها أو أن ترحّل مسؤوليتها إلى خصومها ومن سبقها في الحكم.

فما تدركه السلطة اليوم أن الملفات الاجتماعية التي تراكمت باتت هي مصادر الاحتقان الذي، وإن لم يتحول إلى موجة احتجاجات وطنية واسعة، إلا أنه يسلط ضغطًا متزايدًا ومتراكمًا، مرشحًا للانفجار ولإنتاج موجة واسعة من الاحتجاجات لن يكون بمقدورها احتواؤها، خاصة وأنها هذه المرة أمام فرضية تتواتر مؤشراتها، تقول بأن استمرار الأزمات القطاعية والجهوية والمحلية قد يقود إلى توسع رقعة عدم الرضا، وهذا ما يسبق دائمًا موجات الاحتجاج الكبرى.

وهو ما يجعل من مستهل هذه السنة مفصليًا بالنسبة للسلطة، إن أرادت أن تحد من مخاطرها وتعزز من قدرتها على احتواء أي موجة احتجاجية في الشتاء، وتحول دون نشوء أزمة سياسية واسعة قد تجعلها في وضع صعب وحرج.

وهنا لا خيار أمامها إلا أن تستهل السنة بمعالجة الملفات المؤجلة، وأن تكشف عن أولويتها للشارع، وأن تغير من خطابها لتقنعه، وتستبق انفجار أي أزمة معيشية جديدة تغذي الاحتقان وتقلص من هوامش تحرك السلطة ومن مساحة التسامح مع أخطاء إدارة الملفات.

فما هو متوقع خلال هذه السنة السياسية الجديدة، ليس انفجارًا اجتماعيًا بالضرورة ولا نقاء المناخ الاجتماعي، بل هو تراكم الاحتقان والغضب بفعل تواتر الأزمات التي تدفع بالبلاد إلى مربعات من التوتر السياسي والاجتماعي المستمر، عالي الإجهاد للسلطة وللشارع معًا.

لتكون العودة السياسية هذه المرة محرارًا يكشف، ولو جزئيًا، عن ملامح كامل سنة 2027، وكيف ستكون علاقة السلطة بالشارع الذي ترتفع مطالبه بتوفير الحد الأدنى من الخدمات في وجهها وضد خطابها الرسمي. وهذا ما يجب أن يراقب في المرحلة القادمة.

المشاركة في هذا المقال