Print this page

خلع الابواب المفتوحة

ننفق في تونس الكثير من الجهد والوقت

في محاولة خلع باب "الهوية" المفتوح، اذ يكفي ان ننظر الى الممارسة الاجتماعية  لندرك ان ما بحثنا عنه مثال أمامنا لكن تعودنا عليه وتكرار هذه الممارسات يحجب ثقلها الاجتماعي والرمزي وما تقوله لنا عن الهوية والعيش المشترك.

فما يبدو مألوفا و بديهيا لجزء واسع من التونسيين في علاقة بممارساتهم الاجتماعية بطقوسهم اليومية بعاداتهم وكلماتهم وأساطيرهم وقصصهم وحكاياتهم وبكيف يستحضرون الماضي والسرديات المؤسسة سواء للبلاد او المدن والقرى والقبائل الخ تكشف بنية المجتمع وهويتهم والمشترك الذي استمر ونقل عبر طقس عابر للزمن، من ذلك احتفاء التونسيين بالمولد النبوي، الذي بات ظاهرة مركبة في تونس، دينية في أصلها، اجتماعية في ممارستها، نفسية في أثرها، تاريخية في تشكلها، وثقافية في استمرارها.

فتكرار الاحتفال بالمولد ووان حجب الثقل الاجتماعي والرمزي للمناسبة فإنه لم يفقدها المعنى بل رسخه وجعل من طقوس متنوعة تمارس في هذه المناسبة، من طبخ العصيدة الى زيارة القيروان الى التجمعات العائلية الى مجالس الذكر والخرجات كلها جزء من المشترك الذي يعرّفنا كجماعة/ مجتمع  لذاتنا.

فهذه المناسبات الدينية او الاجتماعية  المتوارثة هي خزائن للذاكرة الجماعية، تحفظ العادات والرموز والطقوس  التي تنشأة مساحة يلتقي فيها الديني والاجتماعي والثقافي والعائلي وتتكون فيها  ممارسة اجتماعية أوسع من حدود الالتزام الفردي،دون ان تقع في فخ " الاجماع "، لتكون ممارسة تنسج ثوب الهوية التونسية والمشترك الذي يمكن ان يحفظ الرمز الديني ويحتفي به دون ان يلغي حق الاختلاف في تحديد طبيعة العلاقة معه او تفسيره.

فالمشترك لدى التونسيين، والقصد هنا جزء واسع منهم وليس الكل، هو أن هذه المناسبات الدينية وغيرها من المناسبات التي باتت جزء من الذاكرة والممارسة الجماعية  تقدم لنا إجابات عن علاقتنا ببعضنا البعض و بذاكرتنا وهويتنا، حتى وان لم ننتبه لها فاننا نمارسها سواء بالانخراط فيها او بالانسحاب منها واخذ مسافة عنها، الا اننا نلتقي عند مشترك يساهم في رسم هويتنا التي نمارسه  ونعيشها بصورة مشتركة ومركبة. اذ ليس جميع التونسيين يؤمنون بالشيء نفسه أو يحتفلون بذات الطريقة.

وهنا تتنزل الاحتفالات او احياء يوم "المولد النبوي" كمناسبة دورية  لمشترك ولزمن جماعي، يذكرنا بانه لدينا طقس  نعرفه معا، ونتذكره معا يمكننا من ان نتعرف من خلاله على بعضنا البعض وكانه اجابة عن من نحن او ما يجعلنا تونسيات وتونسيين، هذا الطقس  يساهم في تعرفينا ويغذى مساحات المشترك بيننا لا يشترط ام نجمع عليه، اذ تشق صفوف التونسيين اختلافت عن معنى الطقس وعن ممارسته ورمزيته لكن دون ان تغلى انه جزء من مجالنا الثقافي الذي يجمعنا.

هذا المجال المؤثث بالمناسبات المتوارثة نتج من داخل المجتمع  وفي تفاصيل حياتة اليومية التي تمارس من "نحن " من خلال أفعال مشتركة  لا يمكن لجهة ان تحتكرها او تحتكر تأويها، مهما سعت لأن المشترك الاجتماعي ليس ملكية لأحد، ولا يمكن ضبطه وحصره عبر الخطاب او السرديات المستقطعة والمسقطة التي تسحب من الناس حقهم في التأويل ورسم المعنى.

 

وهذا ما يجب الانتباه اليه في النقاش السياسي اليوم في تونس، الذي وقع في الارتباك  نتيجة الخلط بين المشترك والهوية من جانب و المشروع المجتمعي والتحديث من جانب آخر.  وهذا يحوّل النقاش إلى معارك  حول عناوين كبرى  تقفز عن شرط فهم  ما الذي تشكل داخل المجتمع بوصفه مشترك يساهم في صياغة الذاكرة  والهوية، لتبحث عن ترسيخ إجماع حول شكل المجتمع الذي نريد.

هنا لا بد من الفصل بين هوية المجتمع والمشترك وبين  المشروع المجتمعي والسياسي. فالمشترك والهوية ليستا رنامجا سياسيا. ولا "إجماع" يستوجب ان نتفق جميعا على التاويل والمعنى وا ن نتطابق كلنا كنسخ. وهذا ما تذكرنا به الطقوس والمناسبات، التي لا نعيشها كاختبار لهويتنا ولا امتحان للحداثة. بل نعيشها كجزء من الذاكرة والمشترك  لدى طيف واسع من التونسيات والتونسيين، وأن اختلفوا في علاقتهم بها وفي تأويلها.

هذا هو الباب المفتوح الذي لا نحتاج الى خلعه.

المشاركة في هذا المقال