Print this page

احتقان‭ ‬اجتماعي‭ ‬مفتوح‭ ‬على‭ ‬المجهول

خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬تكرر‭ ‬مشهد‭ ‬الاحتجاجات

‭ ‬الشعبية‭ ‬المحلية‭ ‬أو‭ ‬الجهوية‭ ‬بمطالب‭ ‬مختلفة،‭ ‬أفضت‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬مواجهات‭ ‬بين‭ ‬الشارع‭ ‬الغاضب‭ ‬والأجهزة‭ ‬الأمنية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬الهدوء‭ ‬النسبي‭ ‬ويختفي‭ ‬التوتر‭ ‬والاحتقان‭ ‬تحت‭ ‬طبقات‭ ‬هشة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬متى‭ ‬وأين‭ ‬سيكون‭ ‬الاحتجاج‭ ‬القادم‭.‬

وهذه‭ ‬المرة‭ ‬كان‭ ‬الاحتجاج‭ ‬في‭ ‬بن‭ ‬قردان،‭ ‬التي‭ ‬تحرك‭ ‬أهاليها‭ ‬نهاية‭ ‬الأسبوع‭ ‬الفارط‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬وفاة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الجهة‭ ‬إثر‭ ‬غرق‭ ‬مركب‭ ‬للهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية،‭ ‬وما‭ ‬رافق‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬غضب‭ ‬شعبي‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬تحركات‭ ‬طالبت‭ ‬في‭ ‬البداية‭ ‬بتكثيف‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المفقودين،‭ ‬وانتهت‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭ ‬الدولة‭ ‬عن‭ ‬التنمية‭ ‬والشغل‭ ‬لأبناء‭ ‬المدينة‭ ‬الحدودية‭. ‬وهنا‭  ‬تبدأ‭ ‬المعادلة‭ ‬السياسية،‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬الفاجعة‭ ‬ومصاب‭ ‬بن‭ ‬قردان،‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬في‭ ‬الظاهر‭ ‬احتجاجًا‭ ‬محليًا‭ ‬على‭ ‬حادثة‭ ‬محددة،‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬دلالة‭ ‬من‭ ‬ذلك‭.‬

اذ‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬تتكرر‭ ‬فيه‭ ‬التحركات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬جهات‭ ‬مختلفة،‭ ‬وترفع‭ ‬مطالب‭ ‬متنوعة،‭ ‬من‭ ‬عودة‭ ‬الماء‭ ‬والكهرباء‭ ‬وتوفير‭ ‬التنمية‭ ‬والشغل،‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬الصحة‭ ‬والنقل،‭ ‬بينما‭ ‬يبدو‭ ‬المشهد‭ ‬العام‭ ‬هادئًا‭. ‬حيث‭  ‬سجل‭ ‬شهر‭ ‬جويلية‭ ‬الماضي‭ ‬وحده‭ ‬أعلى‭ ‬عدد‭ ‬تحركات‭ ‬احتجاجية‭ ‬للشهر‭ ‬نفسه‭  ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الـ11‭ ‬الأخيرة،‭ ‬ليتجاوز‭ ‬1100‭ ‬تحرك،‭ ‬كان‭ ‬ملف‭ ‬المياه‭ ‬والكهرباء‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬المحركات‭ ‬التي‭ ‬دفعت‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬الشارع‭. ‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أننا‭ ‬لسنا‭ ‬أمام‭ ‬مجتمع‭ ‬هادئ‭ ‬بالمعنى‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ولا‭ ‬أمام‭ ‬مشهد‭ ‬عام‭ ‬مستقر،‭ ‬بل‭ ‬نحن‭ ‬إزاء‭ ‬غضب‭ ‬واضح‭ ‬ومطالب‭ ‬متزايدة‭ ‬تقود‭ ‬عدة‭ ‬مناطق‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬إلى‭ ‬التحرك‭ ‬بصورة‭ ‬متكررة،‭ ‬وان‭ ‬كانت‭ ‬ليست‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬اجتماعية‭ ‬واحدة،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬حملت‭ ‬جميعها‭  ‬شعورا‭ ‬مشتركا‭ ‬بأن‭ ‬الدولة‭ ‬لا‭ ‬تستجيب‭ ‬بالسرعة‭ ‬أو‭ ‬بالحجم‭ ‬الكافيين‭ ‬لمشاغل‭ ‬المواطنين‭ ‬ومطالبهم‭.‬

هذه‭ ‬هي‭ ‬المفارقة‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬التونسي،‭ ‬احتقان‭ ‬وغضب‭ ‬واحتجاج‭ ‬موجود،‭ ‬لكن‭ ‬الفاعلين‭ ‬السياسيين،‭ ‬سواء‭ ‬من‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬خصومها،‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يلتقطه‭ ‬أو‭ ‬ينتبه‭ ‬إليه‭ ‬بما‭ ‬يكفي،‭ ‬ولا‭  ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قطيعة‭ ‬تتسع‭ ‬بين‭ ‬مجتمع‭ ‬يتحرك‭ ‬ويحتج‭ ‬في‭ ‬اتجاه،‭ ‬وطبقة‭ ‬سياسية‭ ‬تتحرك‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬آخر‭. ‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬سياسيا‭ ‬الطرفان‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬موقعه‭ ‬وحسابته‭  ‬معنيان‭ ‬بالاجابة‭ ‬عنه‭ ‬وهو‭  ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬يؤدِّ‭ ‬هذا‭ ‬الاحتقان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬إلى‭ ‬تعبئة‭ ‬سياسية‭ ‬الي‭ ‬اليوم؟‭ ‬

ذلك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬خلال‭ ‬2026‭ ‬هو‭ ‬انتشار‭ ‬لمطالب‭ ‬اجتماعية‭ ‬متفرقة،‭ ‬لا‭ ‬إطار‭ ‬جامع‭ ‬لها‭ ‬ولا‭ ‬مطلب‭ ‬سياسي‭ ‬واضح‭ ‬بالمعنى‭ ‬التقليدي‭. ‬فالتحركات‭ ‬المحلية‭ ‬والجهوية‭ ‬لا‭ ‬ترفع،‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الآن،‭ ‬مطلب‭ ‬تغيير‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬مساءلتها‭ ‬بالمعنى‭ ‬السياسي‭ ‬المباشر،‭ ‬بل‭ ‬تريد‭ ‬ماءً،‭ ‬وطريقًا،‭ ‬وكهرباء،‭ ‬ومستشفى،‭ ‬ونقلًا،‭ ‬أو‭ ‬حلا‭  ‬لأزمة‭ ‬بيئية،‭ ‬أو‭ ‬تنفيذ‭ ‬تعهد‭ ‬سابق‭. ‬

واقع‭ ‬يجعل‭ ‬الشارع‭ ‬التونسي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬احتجاجية‭ ‬متعددة‭ ‬لا‭ ‬رابط‭ ‬واضح‭ ‬بينها،‭ ‬سوء‭ ‬ان‭ ‬القائمين‭ ‬عليها‭  ‬يتجنبون‭ ‬‮«‬تسييس‮»‬‭ ‬التحرك‭ ‬خشية‭ ‬من‭ ‬الوصم‭ ‬او‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬السلطة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تخفى‭ ‬معاداتها‭ ‬للأجسام‭ ‬الوسيطة‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬اليوم‭ ‬أزمات‭ ‬عدة‭  ‬جعلت‭ ‬منها‭ ‬ومن‭  ‬الفعل‭ ‬السياسي‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬المطالب‭ ‬المعيشية‭ ‬للمجتمع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يغذي‭ ‬الإحباط‭ ‬أكثر‭.‬

هذا‭ ‬الإحباط‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬يشق‭ ‬المجتمع‭ ‬التونسي‭ ‬ويعبر‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬تعدد‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬والتحركات‭ ‬المطالبة‭ ‬بعائد‭ ‬مباشر،‭ ‬تقابلها‭ ‬حالة‭ ‬عزوف‭ ‬عن‭ ‬الانخراط‭ ‬في‭ ‬تحرك‭ ‬احتجاجي‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬وطني،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يشرح‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬حالة‭  ‬الهدوء‭ ‬الظاهرة‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬العام،‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تخده‭ ‬السلطة‭ ‬وترسخ‭ ‬لها‭ ‬انطباع‭ ‬بأنها‭  ‬في‭ ‬مأمن،‭ ‬طالما‭ ‬أن‭ ‬الشارع‭ ‬يحتج‭ ‬وينفس‭ ‬عن‭ ‬غضبه‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬مكاني‭ ‬وزماني‭ ‬ضيق‭.‬

‭ ‬فتغفل‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬الاحتقان‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الجهات،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬متمركزا‭ ‬ولم‭ ‬ينتقل‭ ‬الى‭  ‬المدن‭ ‬الكبرى‭ ‬والعاصمة،‭ ‬فان‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أنه‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للانتقال‭ ‬أو‭ ‬التمدد‭ ‬اليها‭. ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬اليوم‭ ‬محلية‭ ‬قابلة‭ ‬للاحتواء‭ ‬فإن‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬تكرارها‭ ‬لذات‭ ‬الأسباب‭ ‬وإن‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬مختلفة‭  ‬قد‭ ‬ينتج‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭  ‬تقاطها‭ ‬بينها‭ ‬يحول‭ ‬دون‭ ‬احتوائها‭ ‬وينتقل‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬المحلي‭ ‬الى‭ ‬الوطني‭.‬

فالصورة‭ ‬الكبيرة‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬اننا‭ ‬امام‭ ‬مشهد‭  ‬محتقن‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وان‭ ‬كان‭  ‬منخفض‭ ‬التعبئة‭ ‬سياسية‭ ‬ومجزأ‭ ‬احتجاجيا‭. ‬فان‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الوضع‭ ‬مستقر‭ ‬وقابل‭ ‬للاستمرار‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية،‭ ‬اذ‭ ‬ان‭ ‬حادثة‭ ‬واحدة‭ ‬او‭ ‬قضية‭ ‬مشتركة‭ ‬يمكنها‭ ‬ان‭ ‬تعيد‭  ‬تسييس‭ ‬المجتمع،‭ ‬وان‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الأطر‭ ‬السياسية‭ ‬التقليدية،‭ ‬وبذات‭ ‬مطالب‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬تتطور‭  ‬لسؤال‭ ‬وحيد‭ ‬وهو‭ ‬لماذا‭ ‬باتت‭ ‬الدولة‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬واجباتها‭. ‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬تتم‭ ‬مراقبته‭ ‬في‭ ‬المشهد‭  ‬السياسي‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة،‭ ‬فطرح‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬سيحدد‭ ‬اتجاه‭ ‬المشهد‭ ‬العام‭ ‬وهل‭  ‬ينتقل‭ ‬الاحتجاج‭ ‬من‭ ‬خانة‭ ‬التنفيس‭ ‬الاجتماعي‭  ‬إلى‭ ‬الفعل‭ ‬السياسي؟

المشاركة في هذا المقال