Print this page

المعارضة التونسية: اختبار الحد الأدنى المشترك

 

بات كل تحرك ميداني يجمع لفيفًا من المعارضة التونسية

يرافقه جدل وسجال عن معنى اللقاء والتقاطع في الشارع وعن توصيفاته، وهل سيقود في النهاية إلى توحيد المعارضة لينشغل الجميع بالإجابات عن أسئلة لم تُطرح، ولا يبدو أنه من المنطقي طرحها، خاصة وأنه من الجلي أننا لسنا إزاء عملية سياسية تهدف إلى انصهار أحزاب المعارضة فيما بينها لتكون حزبًا جديدًا، بل نحن إزاء مسار سياسي لم ينضج بعد، يبحث عن الوقوف على أرضية مشتركة لا ملامح لها بعد.

هذا المسار الذي انطلقت إرهاصاته منذ أشهر بدعوات ومبادرات ومحاولات لتجميع الصفوف صلب ذات العائلة السياسية، من اليسار والدستوريين والأحزاب الاجتماعية، قبل أن يتطور إلى تحركات ولقاءات ظرفية في الميدان بين أحزاب من مختلف العائلات السياسية، وهو اليوم يبلغ مرحلة جديدة، وهي التنسيق، وإن بشكل غير مباشر أحيانًا، بين أضداد الأمس لتنظيم تحرك ومسيرة احتجاجية.

مشهد بات مألوفًا اليوم، بما يفرض أن يكون النقاش لا عن الوحدة وشروطها، بل عن قدرة هذا المسار على قيادة المعارضة وجزء واسع من مكوناتها إلى صياغة حد أدنى مشترك، وما يطرحه هذا الحد من أسئلة ومهام على أطياف المعارضة؟

فمن الخطأ اليوم الانشغال بالبحث عن الوحدة، التي في ذاتها ليست ذات قيمة سياسية اليوم وغدًا، فالمعارضة اليوم لا يُطرح عليها وحدة تخفي التناقضات وتلغي الصراعات؛ فمثل هذه الوحدة الهشة والزائفة لا أفق لها، ولا قدرة على أن تبعث الحيوية في المشهد السياسي. وطالما أن هذا غير مطروح، فإن الأصح أن يكون النقاش موجهًا للإجابة عن سؤال محدد ودقيق، وهو: هل تستطيع القوى المعارضة أن تتفق على مساحة سياسية مضبوطة تسمح لها بالعمل المشترك من دون أن تلغي تنوعها واختلافها؟

فإن كان جواب المعنيين بالسؤال هو «نعم»، فإن الأسئلة التي تُطرح عليهم تباعًا، ويفترض أن تقدم لها إجابات دقيقة وواضحة، هي عن حدود مساحة المشترك؟ وعن ما يندرج ضمن هذا المشترك وما يظل خارجه محل خلاف، وكيف يُدار الصراع اليوم وغدًا؟

قد تبدو هذه المسألة معقدة وصعبة في ظل مشهد سياسي تحكمه الاختلافات والخلافات والصراع الإيديولوجي، مثقل بماضي كلٍّ له قراءته الخاصة به، ما قبل الثورة وما بعدها، وما عاشته البلاد من تجارب حكم وتحولات سياسية أعادت تشكيل علاقات الفاعلين السياسيين والحزبيين ببعضهم البعض والدولة والسلطة والمجتمع. وهو إرث يجعل أي محاولة للإجابة عن الأسئلة المركزية منها والثانوية، بتجاهل هذا الإرث أو بالقفز عليه، سوف تنتهي إلى طريق مغلق.

فما يُطرح اليوم في الفضاء العام من نقاش يتعلق بالمعارضة وتقاربها وتوحيد جهودها يفرض، قبل كل شيء، أن تقدم هذه المعارضة والمعارضات رؤيتها لكيف يمكن أن تتعاون مع بعضها البعض في ظل اختلاف حاد بين بعضها البعض، لا يقتصر على التصورات والرؤى السياسية للحاضر والمستقبل، بل يشقها صراع هوياتي عن الماضي: كيف نفسره ومن يتحمل مسؤوليته؟

هنا تحديدًا يكمن الامتحان الصعب للمعارضة، التي وجب على مكوناتها وقادتها، وهي تقدم إجاباتها وتصوراتها، أن تميز في نقاشاتها وفي ممارستها السياسية بين مفهومين يقع الخلط بينهما، وهما الحد الأدنى المشترك والتوافق. فالأمران مختلفان كليًا، إذ إن التوافق الذي اختبرته الساحة السياسية بين 2014 و2019، والذي جمع حركة النهضة ونداء تونس، وإن لم يكن توافقًا شاملًا وكليًا تقاربت فيه الحركتان سياسيًا إلى حد صياغة رؤية وبرنامج وموقف موحد من الماضي والحاضر والمستقبل، إلا أن التجربة بينت عدم واقعيته، بل وضرره على الحياة السياسية وعلى الحزبين، اللذين دفعا ثمن توافقهما.

أما المفهوم الثاني، وهو الحد الأدنى المشترك، فهو في جوهره أشبه باتفاق محدود زمنيًا ومضمونيًا، هو اتفاق يحدد فيه أصحابه مسائل ونقاطًا يلتقون في تصورهم بشأنها، ويعتبرونها شرطًا أساسيًا لوجود حياة سياسية سليمة في البلاد، ويتم العمل والتقاطع للدفاع عنها، أي هو اتفاق بشأن إدارة بعض ملفات الحاضر، دون إلغاء كلي للاختلافات، ففي الحد الأدنى يحتفظ كل طرف وحزب بحقه في أن تكون له رؤية وتصور مختلف للماضي والمستقبل ولملفات الحاضر التي لم يشملها الاتفاق.

وهذا يعني أنه لا حاجة إلى تحالف دائم، ولا للوحدة، ولا للقفز على الخلافات والصراعات، فكل ما قد تحتاجه المعارضة هنا، أو الطيف الذي سيبلغ الاتفاق، هو رسم هدف واضح وممكن، كتعديل موازين القوى في المشهد السياسي، وما يتطلبه تحقيق الهدف من القدرة على الفعل، وخاصة الجماعي، في مسائل محددة ومضبوطة، مع إبقاء الاختلاف والتنافس والصراع. وهنا تكمن أهمية ترتيب الخلافات التي لا يمكن إلغاؤها أو حسمها كليًا دفعة واحدة.

لكن هذا لا يعني أن تُترك الأمور إلى المستقبل دون إطار مرجعي لكيفية حسم هذه الخلافات ومعالجتها، وهو ما يعني ضرورة أن يكون هناك التقاء على بعض المبادئ أيضًا وليس الأهداف، من حق التنظيم وحرية التعبير ونزاهة العملية السياسية والانتخابية، والأهم هو إقرار بأن الاختلاف السياسي والفكري لا يُحسم خارج الأطر الديمقراطية والقانونية. أي الاتفاق على مبادئ تنظم مجال ممارسة السياسة، وليس السياسة كلها.

هذا هو الممكن والمسار الأسلم، خاصة وأن القوى السياسية ذات الثقل نسبيًا في المشهد لها تاريخ متناقض وصراعات حول كيفية النظر إلى الماضي والتعامل معه، هل عبر مساءلته ومحاكمة سياسييه أم عبر التجاوز والتغاضي؟ والحد الأدنى، وإن لا يمكنه أن يتسع ليشمل حسمًا لهذا الصراع، إلا أن التنصيص على آليات إدارة الخلافات والعمل في المجال السياسي يسمح بوضع الماضي في مكانه الصحيح داخل السياسة، التي لا تشترط ممارستها والمشاركة فيها براءة تاريخية كاملة، وإنما تشترط تحمل المسؤولية عن الأخطاء التي وقعت.

فلا يمكن، باسم الواقعية السياسية أو الضرورة، أن يُدفن الماضي كليًا؛ فجزء من الماضي وجب التعامل معه بشكل شجاع من قبل المعنيين به، خاصة من خبروا الحكم، والأمر هنا ليس حكرًا على أطراف دون أخرى، وليس من باب الشرط الأخلاقي لإرضاء الخصوم، بل هو شرط لبناء الثقة وترسيخ ثقافة المسؤولية السياسية.

وهو إجابة عن السؤال يوجه للجميع اليوم في تونس: ماذا تعلمنا ؟

المشاركة في هذا المقال