نشريته الفصلية حول «مؤشرات التشغيل والبطالة للثلاثي الثاني من سنة 2026» حيث نجد فيها أن نسبة البطالة قد تراجعت إلى 14,9٪ وهي أدنى نسبة سجلت منذ الثورة إلى اليوم.
هل ينبغي أن نفرح بهذا؟ أم أن هذا التراجع هو الشجرة التي تخفي غابة التآكل المستمر لسوق الشغل في بلادنا؟
عالم الشغل هو المعيار الأساسي لفهم مدى قوة اقتصاد بلد ما ونوعية العلاقات الاجتماعية التي يؤسس لها ومكانة العمل معنويا وماديا فيه.
عالم الشغل لم يكن ورديا في تونس لا قبل الثورة ولا بعدها ولكن الملاحظ هو التدهور النسبي الذي يزداد من سنة إلى أخرى.
قبل الثورة سجلت البطالة أدنى مستوياتها سنة 2006 حيث كان عدد العاطلين عن العمل أقل من 430 ألف نسمة بقليل ونسبة البطالة في حدود 12,5٪ ولكن تونس لم تنج من مخلفات الأزمة العالمية لسنة 2008 فارتفع عدد العاطلين سنة 2010 إلى ما دون 492 ألف بقليل ونسبة البطالة بلغت 13٪، ولعل الأهم من كل ذلك أن نسبة النشاط كانت تقدر بـ 46,9٪ وبفوارق ضخمة بين الجنسين: 69,9٪ للرجال مقابل 24,8٪ فقط للنساء.
نجد كل هذه الأرقام في الوثيقة الضخمة التي أصدرها المعهد الوطني للاحصاء في جوان 2011 بعنوان «المسح الوطني حول السكان والتشغيل لسنة 2010» وللأسف لا نجد - بعد - في هذه الوثيقة معطيات عن العمل الهش في تونس.
تحدثنا آنفا عن نسبة النشاط سنة 2010 والتي كانت في حدود 46,9٪، أما في الثلاثي الثاني لسنة 2026 فقد تراجعت إلى 44,7٪.
نسبة النشاط هي أحد المؤشرات الأساسية لعالم الشغل وأهميتها تفوق كثيرا نسبة البطالة لأنها تقول لنا كم هي نسبة المعنيين بعالم الشغل (من مشتغلين ومن طالبي الشغل) بالنسبة للعدد الاجمالي للسكان الذين هم في سن الشغل (عموما ما بين 20 و 64 سنة).
وفق احصائيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) لسنة 2025 نجد أن نسبة النشاط هي الأعلى في ازلندا بـ 84,7٪ وهي تتجاوز 80٪ في كل من هولندا واليابان أما المعدل العام في بلدان المنظمة فهو في حدود 74٪.
في بعض بلدان العالم تتجاوز هذه النسبة 90٪ وهي تفوق 50٪ في جلّ الدول الافريقية ولكنها هي الأضعف في الغالبية الساحقة للدول العربية والسبب معروف هنا لأن نسبة نشاط المرأة في ربوعنا هو الأضعف عالميا حتى عندما نقارنه بالدول الاسلامية غير العربية.
غني عن القول التأكيد أن كل ارتفاع لنسبة النشاط هو ارتفاع في فرص خلق الثروة وفي تراجع الفقر والارتفاع العام لمستوى المعيشة بما يسمح بتطوير آلات إنتاج السلع والخدمات ويضفي بذلك ديناميكية على الدورة الاقتصادية، وكلما تراجعت نسبة النشاط تراجعت معها كل مكونات هذه السلسلة الايجابية.
ينبغي أن نعلم أن سوق الشغل في تونس تخضع لعدة عوامل موسمية اقتصادية (مواسم الجني والسياحة..) واجتماعية (مواعيد التخرج في التعليم العالي وفي التكوين المهني) ولذا لا تصح فيها المقارنة بين فصول متباعدة والأولى فيها أن يقارن كل فصل بنظيره.
صحيح أن عدد النشيطين قد تراجع بين الثلاثي الأول والثاني لهذه السنة بـ 77,5 ألف نسمة ولكن الأهم هو مقارنة التراجع بين الثلاثي الثاني لسنة 2026 بنظيره لسنة 2025 لنرى أنها تصل إلى 69 ألف نسمة ولكن ثمة تراجعا أخطر وأكبر بكثير وهو الحاصل ما بين الثلاثي الرابع لسنة 2024 ونظيره لسنة 2025 إذنزلنا من 4532 ألف نسمة إلى 4255 ألف أي بخسارة تقد بـ 277 ألف نسمة في سنة واحدة، وكل المؤشرات تفيد أن الفارق بين نهاية سنة 2024 وهذه السنة سيكون في تلك الحدود إن لم يتجاوزها وهذا هو الرقم الأخطر على الإطلاق.
في ظرف سنة واحدة فقدنا أكثر من 6٪ من السكان النشيطين وفقدنا أيضا 174 ألف موطن شغل ولكن الأخطر في كل هذا أن العدد لم يتحوّل إلى عاطلين عن العمل أي إلى طالبي شغل بل «تبخر» الجزء الأكبر منه بفعل عنصرين أساسيين على ما نرى:
- الهجرة النظامية وشبه النظامية وغير النظامية التي تفقدنا سنويا عشرات آلاف من مواطن الشغل.
- العزوف عن سوق الشغل إما انتظارا لفرصة الهجرة أو يأسا من إمكانية الولوج بصفة جيدة لهذه السوق..
يشير هذا التراجع في نسبة النشاط إلى أمر أساسي وهو أن عالم الشغل أضحى عالما طاردا لجزء متزايد من شابات وشباب تونس فالحلم عندهم لم يعد في ايجاد شغل جيّد في تونس بل بأي شغل ممكن خارجها..
وإذا أضفنا إلى كل هذا أن حوالي نصف المشتغلين (44,8٪) مصنفون في خانة التشغيل الهش (تقنيا عمل غير منظم) وفق آخر تقرير للمعهد الوطني للاحصاء الصادر في سبتمبر 2020 بعنوان «مؤشرات حول العمل غير المنظم لسنة 2019) ندرك مدى حجم الكارثة الهيكلية التي تصيب عالم الشغل في بلادنا منذ عقود وأن هذه الكارثة بصدد التفاقم موضوعيا نظرا لدخولنا مرحلة النمو الهش منذ عقد ونصف.
في المقابل لا نجد أي أثر جدي لحوار حول هذا الموضوع الحساس ولا رغبة لأية تشاركية حوله والحال أننا أمام أحد أهم عناصر الأزمة التونسية في عمقها الاجتماعي والاقتصادي وفي تأثيرها السلبي على معنويات الشباب وعائلاتهم.
ترى متى ندرك أن مشاكل تونس تهم كل التونسيات والتونسيين؟!