-
كريمة الماجري
-
12:30 31/07/2026
-
272 عدد المشاهدات
-
كسرت تصريحات وبلاغات المنظمة التونسية للأطباء الشبان والنقابات الصحية
حاجز الصمت الرسمي الذي ألقى بظلاله على المشهد الصحي في تونس بعد أن امتنعت وزارة الإشراف عن تقديم أية معطيات تكشف تداعيات أزمة الحر وانقطاع الكهرباء على الحالة الصحية في البلاد.
غياب للمعطيات الرسمية ولد فراغًا وغموضًا بشأن الإحصائيات التي تبين أثر موجة الحر على صحة التونسيين، خاصة من أصحاب الأمراض المزمنة أو ممن لهم وضع صحي دقيق قد تعكر درجات الحرارة وضعهم وترفع من درجة الخطر المهدد لحياتهم، ويشتد هذا الخطر إن تزامنت موجة الحر مع انقطاع الكهرباء التي تغذي أجهزة الدعم والإنعاش المنزلي لبعض المرضى.
وضع دقيق لا تقدم فيه وزارة الإشراف أي معطيات تطمئن التونسيين، في ظل تواتر معلومات نشرها البعض على منصات التواصل وتتحدث عن الوضع الدقيق لصحة أقربائهم وذويهم قبل نشر تدوينات تعلن عن وفاة بعض هؤلاء، معطيات أُلقيت للتونسيين ليتناقلوها وينقلوا حيرتهم ومخاوفهم وغضبهم في ظل عدم معرفة حقيقة الوفيات المنجرة عن تقاطع أزمة الكهرباء مع موجة الحر، سواء سجلت خارج المستشفيات أو داخلها.
صمت لم يكسر ثقله إلا بيانات المنظمة التونسية للأطباء الشبان التي أعلنت أنه وفق إحصائيات أولية قد سجلت أكثر من 150 حالة وفاة يشتبه في ارتباطها بمضاعفات صحية نتجت عن تزامن موجة الحر وأزمة الكهرباء، معطيات لم تعلق عليها وزارة الصحة لتؤكدها أو تنفيها، مما غذى الحيرة وولد تساؤلات عن مدى دقة المعطيات والأرقام المتداولة، والتي تكشف عن تقييم حرج للوضع الصحي خلال هذه الفترة وجاهزية المؤسسات الصحية في التعامل مع وضع استثنائي؟
ففي ظل موجة الحر غير المسبوقة التي تشهدها تونس خلال الأيام الفارطة، والتي تزامنت مع انقطاعات متكررة للتيار الكهربائي والتزود بالماء في عديد الولايات، توافد عدد من المرضى على المستشفيات التونسية بما يتجاوز طاقة استيعاب الأقسام، وخاصة قسم الاستعجالي في عدد من المستشفيات الجهوية، وهذا ما نقلته تدوينات رسمية للأطباء يستغيثون ويكشفون عن حجم الضغط المسلط على منظومة الصحة العمومية. وقد قابل هذا صمت وغياب شبه تام للرواية الرسمية في زمن وسياق يقتضي تعبئة كل الإمكانيات لمجابهة أزمة صحية محتملة.
وضع دقيق لم تتفاعل معه وزارة الصحة، ولم تنشر أية رواية لتنفي كليًا ما يحدث وتقدم معطياتها، ولم تكشف عن أية حصيلة رسمية أو معطيات دقيقة حول الوضع الصحي، وإن كان هناك وفيات أو حالات صحية خطيرة مرتبطة بموجة الحر وعددها إن وجدت، وهذا يخالف العرف والتقليد الذي ترسخ في تونس أثناء جائحة الكوفيد-19 من تقاليد الشفافية في نشر المعطيات والمؤشرات الصحية، بما يسمح بتقييم حجم المخاطر، وتوجيه الموارد، واتخاذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب.
هنا الوزارة وإن صمتت فإنها لم تلزم مكانها دون القيام بأي فعل، فقد راسلت مؤسسات الصحة العمومية مطالبتهم بمعطيات حول حالات الوفاة المتعلقة بضربات الشمس، عبر تعمير وثيقة وإرسالها لمصالح الوزارة، بهدف الوقوف على حقيقة الوضع، كما أن مركز التوليد وطب الرضيع بتونس نفى، وإن بعد مرور أربعة أيام، وجود أي تأثير لانقطاع التيار الكهربائي الذي سُجل في 25 جويلية 2026 على صحة الرضع أو سير الخدمات الصحية بالمركز.
لكن هذا التدخل لم يعالج الإشكال الفعلي، وهو غياب المعلومة ومصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع، وفي هذا إخلال بحق المواطن في النفاذ إلى المعلومة من الجهات الرسمية، كما أنه يحول دون تقييم موضوعي وعلمي للوضع الصحي، ويحد في جانب منه من القدرة على المساهمة في الحد من آثار هذه الأزمة، لتظل تصريحات الأطباء وتدويناتهم ونداءاتهم المصدر الوحيد للمعلومة، وهو ما استمروا فيه رغم تلويح سلط الإشراف باللجوء إلى التتبعات القضائية.
هنا نحن أمام مشهد مركب، جزء من العاملين في القطاع الصحي وخاصة الأطباء الشبان يرفعون أصواتهم محذرين من أننا نتجه إلى وضع صحي حياة المرضى فيه مهددة لأسباب مختلفة، وهو ما يشبه التحذير من أزمة صحية محتملة تستوجب التحرك الطارئ واتخاذ التدابير اللازمة، مقابل صمت شبه كلي لا تؤكد فيه السلط المعنية ولا تنفي ما ينقل من معطيات، وهذا غير مفهوم، فسواء كانت المعطيات دقيقة أو خاطئة يفترض أن تتكلم سلطة الإشراف وتكشف ما يحدث لمنع التأويلات الخاطئة والانحراف عن الأهم وهو صحة التونسيين وحياتهم، وثانيًا لضمان سرعة التدخل وتعبئة الموارد والطاقات إن كنا فعلًا على أعتاب أزمة أو وضع صحي دقيق. فالأمر هنا لا يتعلق بقطاع يمكن التدارك فيه والتخفيف من حدة تداعيات أي وضع غير طبيعي، بل بقطاع الصحة الذي لا نمتلك إزاءه رفاهية الوقت أو هامشًا للخطأ، فما هو على المحك هي أرواح وحياة، هذا القطاع هو مرفق حيوي لا يمكن أن نطرح مسألة استحقاقه لأن يكون أولوية وطنية للنقاش، فـ»الصحة حق لكل إنسان»، وفق الدستور التونسي في فصله الثالث والأربعين والذي «يلزم الدولة بضمان الوقاية والرعاية الصحية وتوفير الإمكانيات اللازمة لكل المواطنين دون تمييز»، وبالتالي فإن الاعتراف بالمشاكل والإخلالات هو خطوة نحو إصلاحها ومواجهة الأزمات في الوقت المناسب.
وهنا لسنا في باب المبالغة أو الإدانة أو تبني أي رواية والقول إن هذا ما بات عليه مرفق الصحة العمومية، بل في باب التحذير من أن الصمت في قطاع الصحة وملفاته أمر خاطئ، إذ هنا أيًا كان مضمون المعلومة التي قد تقدمها سلطة الإشراف، سواء أكدت أو نفت قطعيًا الوضع، فإنها تقدم للتونسيين تقييمها للوضع وتساعد إما على طمأنتهم أو تعبئتهم، وفقًا لما هو عليه وضع منظومتنا الصحية وما واجهته المستشفيات العمومية خلال ذروة موجة الحر.
وفي هذا الصدد، الصمت يغذي الذعر ويهدر على سلطة الإشراف فرصة فتح نقاش عن القطاع الصحي وأولوياته، وكيف يمكن لمنظومتنا الصحية أن تتصرف في ظل أوضاع مماثلة أو مشابهة، وهل هناك خطة عمل أو يجب أن تُرسم، فالوضع الاستثنائي الذي مررنا به خلال الأسبوعين الفارطين يفرض علينا أن نضع على طاولة النقاش ملف قطاع الصحة العمومي.
إذ إن هذا القطاع له خصوصياته تمامًا كأزماته التي لا تسمح بإهدار الوقت وعدم الاستعداد وحسن التصرف، والأوضاع الأخيرة تمنحنا فرصة للتصحيح والاستعداد لمواجهة أي طارئ أو حالات استثنائية قد نواجهها مستقبلًا.